الأحد، ديسمبر 07، 2025

إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023: تقييم استراتيجي للتهديدات في لبنان وسوريا

مصطف عبدي

يمثل هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول حاسمة في إدراك إسرائيل لطبيعة التهديدات الإقليمية. فقد أدى الهجوم، بما شمله من عمليات قتل جماعي وخطف، وتخريب إلى هزة استراتيجية عميقة داخل مؤسسات صنع القرار الإسرائيلية، ودفعها نحو إعادة تقييم جذرية لمعادلات الردع والبيئة الأمنية المحيطة بها. وفي إطار مقاربة الأمن الوجودي، تعاملت إسرائيل مع الحدث بوصفه تهديداً بنيوياً يستوجب إعادة رسم مشهد القوة في المنطقة.

الصدمة الأمنية واستجابات الدولة

انطلقت الحسابات الإسرائيلية من فهم مفاده أن عدم الردّ الواسع سيُفقد إسرائيل قدرتها على الردع لسنوات طويلة. ورغم اعتقاد حماس وبعض القوى الإقليمية أن احتجاز الرهائن سيمنع إسرائيل من شن عملية واسعة، فإن القيادة الإسرائيلية تبنت خيار القوة الشاملة، عبر حرب مدمرة معتبرة أن معالجة التهديد تتطلب تحطيم البيئة التحتية العسكرية والتنظيمية التي سمحت للهجوم بالحدوث.

وعليه، توسعت العمليات العسكرية بسرعة من غزة إلى لبنان، واصطدمت مباشرة ببنية حزب الله، ثم امتدت إلى سوريا حيث ساهمت في إسقاط النظام القديم وتفكيك نفوذ إيران، وصولاً إلى ضربات في ساحات إقليمية أخرى كاليمن تمسّ الأذرع الإيرانية، ثم هجوم واسع استهدف إيران. 

إليك صياغة أقوى وأكثر إحكامًا:

ورغم أن إسرائيل حققت مكاسب مهمة عبر تلك العمليات، فإن الساحات المستهدفة ما تزال فعّالة ومتحركة، ولم يُحَدّ الخطر بصورة حقيقية. فاستمرار نشاط تلك الجماعات على الحدود وفي مناطق التماس يبقي مستوى التهديد مرتفعًا، ويجعل أي تراخٍ في التعامل معها ذا تبعات استراتيجية خطيرة. ويبرز هذا الخطر بشكل خاص في سوريا ولبنان، حيث يمكن لأي توسّع أو تصعيد من هذه المناطق أن ينعكس على أمن إسرائيل بصورة كارثية.

لبنان بعد الضربات الإسرائيلية

على الرغم من الخسائر الكبيرة التي مُني بها حزب الله، إلا أن البنية العسكرية والأمنية للحزب لم تُفكك بالكامل. فلا يزال سلاحه خارج سلطة الدولة اللبنانية، ما يبقيه مشتغلاً وفق ما تسميه الأدبيات الأمنية "التهديد منخفض الكثافة طويل الأمد". ولن يحتاج الحزب لوقت طويل حتى يعود أقوى، واكثر عددا مستغلا ضعف الدولة والانهيار الاقتصادي والفساد. الأمر الذي يجعل اسرائيل حذرة وتراقب التطورات المتعلقة بنزع سلاح حزب الله والفشل في انجاز ذلك سيكون مكلفا على لبنان، وسيجعل خيار التقدم الإسرائيلي نحو نهر الليطاني و إقامة منطقة أمنية جنوبه مطروحاً كخيار استراتيجي.

سوريا بعد انهيار النظام وصعود هيئة تحرير الشام

مثّلت سوريا مصدر تهديد أكثر تعقيداً بعد انهيار النظام السابق وهيمنة هيئة تحرير الشام المتطرفة -القرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا- بقيادة أبو محمد الجولاني. فرغم الخطاب المرن الذي يتبناه النظام الجديد، فإن تركيبته القائمة على عشرات الآلاف من الجهاديين الأجانب المصنفين إرهابيين في بلدانهم تجعل البيئة السورية الجديدة بيئة عالية الخطورة بالنسبة لاسرائيل.

هؤلاء المقاتلون وغيرهم من المتشددين يندمجون اليوم ضمن مؤسسات الجيش والأمن والاستخبارات في الدولة السورية الجديدة، رافعين عقيدة راديكالية تتجاوز الحدود الوطنية التقليدية. وتشير الخبرات المقارنة إلى أن هذا النوع من الأنظمة الهجينة (حكم دولة + كتلة جهادية) يميل إلى استخدام التهدئة تكتيكياً لا عقائدياً، ما يعزز المخاوف الإسرائيلية من تحوّل سوريا إلى منصة لعمليات مستقبلية.

حدود القبول الإسرائيلي وصعوبة الثقة بالنظام الجديد

وفق مقاربات الأمن الإقليمي، يصعب على إسرائيل التعايش مع نظام يحمل إرثاً أيديولوجياً قريبا من القاعدة أو النصرة على حدودها الشمالية. ويبرز القلق الإسرائيلي من إمكانية تمرد أجزاء من هذا الجيش الجهادي على سلطة الجولاني أو استخدام الجنوب السوري كنقطة انطلاق لهجمات مستقبلية. هذه الحسابات هب التي تدفع إسرائيل إلى عمليات استباقية في الجنوب السوري لكنها تظل غير كافية وذات فعالية فسوريا اليوم في 2025 أشبه بغزة 2015 من هنا فالسيناريوهات المحتملة أمام اسرائيل مرتبطة بما ستفعله السلطة الانتقالية: 

السيناريو الأول : أن تنفذ اسرائيل تزغلا عسكريا سريعا وتسيطر على (درعا – السويداء – القنيطرة) باتجاخ ريف دمشق بشكل كامل وتعلنها من طرف واحد مناطق منزوة السلاح وإنشاء منطقة أمنية موسعة تحول دون تحول الجنوب السوري إلى قاعدة جهادية.

السيناريو الثاني: هذا السيناريو مرتبط بعواقب وترتيبات السيناريو الأول والقدرة على فصل ميليشيات موالية لها في تلك المدن كقوات رديفة، والفشل في تحقيق ذلك سيدفع باسرائيل إلى تنفيذ مخطط أكثر جرأة عبر استهداف قادة هيئة تحرير الشام بما فيهم الجولاني نفسه (أحمد الشرع) غير ضربات جوية او اغتيالات ستنزلق معها البلاد لحرب اهلية بينية داخل جماعته نفسها وبين مئات الميليشيات المندمجة شكليا ضمن وظارة الدفاع. ستكون منطقة الإدارة الذاتية ومنطقة السويداء آمنة بالنسبة للساحل السوري سيكون الأمر مرهونا بمدى قدرتهم على تنظيم أنفسه وحماية أهلهم وتخليص سجنائهم

 انتشار قوات سوريا الديمقراطية خياراً لتجنب التصعيد

في ظل هذه التهديدات، يبرز خيار يمكن أن يشكل فرصة للنظام السوري الجديد لتجنب توغل إسرائيلي في الجنوب: توسع انتشار قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة. فهذه القوات، بوصفها قوة منظمة وغير عقائدية وتحظى بدعم دولي مباشر، قد تمثّل بديلاً أمنياً مقبولاً لإسرائيل مقارنة بوجود جماعات جهادية.

قد يساهم انتشار قوات سوريا الديمقراطية في درعا والسويداء والقنيطرة في خلق منطقة مستقرة تمنع استخدام الجنوب السوري كنقطة انطلاق لهجمات ضد إسرائيل، وتوفر للنظام الجديد هامشاً لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية. كما أن الدور الأمريكي، بوصفه ضامناً لهذا الانتشار، قد يشكل عاملاً مهدئاً للمخاوف الإسرائيلية.


ومع ذلك، يبقى هذا الخيار رهناً باستعداد هيئة تحرير الشام لقبوله، ومدى قدرة الولايات المتحدة على توفير ضمانات أمنية تحول دون نشوء فراغ أو تنافس مسلح في هذه المناطق.


أعادت التطورات التي تلت هجوم 7 أكتوبر 2023 تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بصورة عميقة، ورغم تحقيق إسرائيل مكاسب تكتيكية مهمة ضد حماس وحزب الله والنظام السوري السابق، إلا أن الترتيبات الإقليمية الجديدة ما تزال تحمل تهديدات بنيوية ذات طابع عقائدي يصعب احتواؤها. ومع بروز فواعل جديدة مثل هيئة تحرير الشام وقوات سوريا الديمقراطية، ستظل خيارات إسرائيل مفتوحة على عمليات إضافية لضمان أمنها الوجودي في المدى القريب والمتوسط.

دراسة تاريخية حول نشأة مدينة كوباني وأصل تسميتها

 مقدمة تُعد مدينة كوباني، المعروفة رسميًا باسم عين العرب، من المدن السورية التي ارتبط تاريخ نشأتها الحديثة بتحولات سياسية واقتصادية كبرى شهد...