مقدمة
تُعد مدينة كوباني، المعروفة رسميًا باسم عين العرب، من المدن السورية التي ارتبط تاريخ نشأتها الحديثة بتحولات سياسية واقتصادية كبرى شهدتها المنطقة في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين. وعلى الرغم من حداثة تشكلها كمدينة، فإن موقعها الجغرافي كان مأهولًا ومستخدمًا منذ قرون، وتداولت حوله تسميات متعددة تعكس تنوعًا لغويًا وثقافيًا وعشائريًا. تهدف هذه الدراسة إلى تتبع نشأة المدينة، وتحليل الروايات المختلفة لأصل تسميتها، ووضعها في سياقها التاريخي والإداري.
أولًا: الموقع الجغرافي والخلفية التاريخية
تقع كوباني في سهل سروج شمالي سورية، قرب الحدود السورية التركية الحالية. شكّل هذا السهل تاريخيًا منطقة تواصل بين الأناضول وبلاد الشام، واستُخدم كممر للرعاة والتجارة الموسمية. قبل نشوء المدينة الحديثة، لم يكن في الموقع تجمع حضري كبير، بل مجموعة من الينابيع والمنازل الريفية الصغيرة المرتبطة بالزراعة والرعي.
ثانيًا: الأسماء السابقة للمكان
عرف الموقع قبل القرن العشرين بعدة أسماء، من أبرزها:
كاني مشدى
كاني عربان
مرشد بنار
وتشير كلمة كاني في اللغة الكردية إلى نبع الماء، وهو توصيف دقيق لطبيعة المكان الغني بالينابيع. ويُعد اسم كاني عربان مرتبطًا بوجود نبع كانت تخيم قربه عشائر عربية رحّل في فصل الشتاء. هذا الاسم لم يكن يشمل كامل المدينة الحالية، بل كان يطلق على حي صغير ما زال معروفًا حتى اليوم باسم كاني عربان.
ثالثًا: سكة حديد بغداد ودورها في نشوء المدينة
بين عامي 1907 وبداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، شهدت المنطقة تحولات بنيوية مهمة مع تنفيذ مشروع سكة حديد بغداد، الذي تولت إنشاؤه شركات ألمانية بهدف ربط إسطنبول ببغداد مرورًا بحلب. في هذا السياق، بُنيت محطة للقطار في المنطقة عام 1910، إلى جانب مرافق خدمية وإدارية مرتبطة بالمشروع.
وبموجب ترتيبات الشركة المنفذة، خُصص لها مقر إداري في الموقع الذي تطور لاحقًا إلى بلدة، ما ساهم في جذب السكان والعمال، ونشوء نواة عمرانية ثابتة تحولت تدريجيًا إلى مدينة.
رابعًا: روايات أصل تسمية كوباني
توجد ثلاث روايات رئيسية حول أصل تسمية كوباني، لكل منها سياقها التاريخي واللغوي:
رواية الشركة الألمانية
تذهب هذه الرواية إلى أن اسم كوباني مشتق من كلمة Company، أي الشركة، في إشارة إلى الشركة الألمانية المشرفة على تنفيذ سكة حديد بغداد. ويُفترض أن الاسم انتقل إلى التداول المحلي بصيغة محورة تتناسب مع النطق السائد، ليصبح كوباني. وتستند هذه الرواية إلى الوجود الفعلي لمقر الشركة في الموقع خلال تلك الفترة.
رواية كوم بانيا (الإجماع)
تنفي هذه الرواية الأصل الأجنبي للاسم، وتربطه بحدث اجتماعي عشائري. فخلال أواخر العهد العثماني، ومع تنامي نفوذ بعض العشائر المدعومة رسميًا، مثل عشائر زور تيمور باشا وكلش عبدي وباشا المللي، تعرضت قرى مجاورة لاعتداءات والاستيلاء على الأراضي الزراعية. وردًا على ذلك، تكاتف أهالي سروج، واجتمع رجال المنطقة في الموقع الحالي للمدينة، واتفقوا على الدفاع المشترك.
أُطلق على موقع الاجتماع اسم كوم بانيا، أي الإجماع على موقف، حيث تعني كوم الجمع، وبانيا الاتفاق والتعاطف.
رواية كوما باني وكوما خوار
تنسب هذه الرواية التسمية إلى عشيرة مللان القاطنة في منطقة رأس العين، والتي أطلقت اسم كوما باني، أي الجماعة العليا، على الحلف العشائري الذي تشكل في سهل سروج، في مقابل كوما خوار، أي الجماعة السفلى. والمقصود هنا توصيف جغرافي للموقع، لا توصيف قيمي أو أخلاقي، حيث تشير العليا إلى الموقع الواقع أعلى جغرافيًا من مناطق سكن عشيرة مللان.
خامسًا: التسمية الرسمية وسياسات التعريب
مع خضوع المنطقة لاحقًا للإدارة السورية الحديثة، وضمن سياق سياسات التعريب التي طالت العديد من القرى والبلدات الكردية، جرى تثبيت اسم عين العرب كاسم رسمي للمدينة، استنادًا إلى نبع الماء المعروف تاريخيًا، وإلى الوجود الموسمي للعرب الرحل في محيطه. وبذلك أصبح الاسم الرسمي للدولة مختلفًا عن الاسم المتداول شعبيًا بين سكان المنطقة.
خاتمة
تُظهر دراسة نشأة كوباني وأصل تسميتها تداخل العوامل الاقتصادية، والعشائرية، والسياسية في تشكيل المدن الحديثة في شمال سورية. فبينما لعب مشروع سكة حديد بغداد دورًا حاسمًا في نشوء المدينة عمرانيًا، عكست الروايات المختلفة للتسمية ذاكرة جماعية متعددة المستويات، تجمع بين المحلي والعشائري واللغوي. ويظل اسم كوباني شاهدًا على هذا التعدد، وعلى تاريخ لم يُكتب من زاوية واحدة فقط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ماهو رأيك ؟