الاثنين، أبريل 17، 2023

عامٌ على الحرب التركية على عفرين: آلاف القتلى والمختطفين والمختفين قسرا…مئات الآلاف من النازحين.. تغييرٌ ديمغرافي



مصطفى عبدي

 تُواصلُ القواتُ التركية- مع المجموعات السورية المسلحة تحت ما يسمى” الجيش الحر”-  ارتكابَ الجرائم في منطقة عفرين بحقّ السكان المحليين، وتشمل هذه الانتهاكاتُ المروعة أعمالَ القتل والخطف والتعذيب والمداهمات العشوائية والتهجير القسري ومصادرة الأملاك العامة والخاصة، مع القمع الثقافي المنظم ضدّ الهوية الاجتماعية للسكان في عفرين. هذه الانتهاكاتُ تجري من قبل العشرات من الفصائل السورية المسلحة التي تعمل تحتَ راية القوات التركية بصورة مباشرة.


ما يجري في عفرينَ ومناطق “درع الفرات” في شمال سوريا من انتهاكاتٍ يومية تُصنّفُ في خانة الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب من الاعتداء والاضطهاد الممنهج. ولا يقتصر هذا على القتل والنفي والسجن والتعذيب، وإنّما يأتي بدافع التهجير القسري لإتمام عملية التغيير الديمغرافي التي تخطط له حكومةُ الاحتلال التركي بصورة متعمدة، ويجسد نطاقاً ملموساً من سياسة” التطهير العرقي”.


مركزُ توثيق الانتهاكات في شمال سوريا، من خلال راصديه الميدانيين تمكّنَ من رصد وتوثيق المئات من الانتهاكات، من لحظة احتلال عفرين من قبل الدولة التركية، وجرى نشر الخلاصات الشهرية بدءاً من حزيران 2018، تضمّن تفاصيلَ دقيقة لمختلف الحالات، وهي لا تمثل حقيقة 30% من الانتهاكات التي يخشى الضحايا البوح بها، خشية الانتقام من عائلة الضحية أو الضحية نفسها، كما أنّ المعوقاتِ الميدانية التي تفرضها الفصائل المسلحة مع الدولة التركية حول التحري والتقصي في مسار الانتهاكات تمثلُ عجزاً حقيقاً في الكشف عن حقيقة الانتهاكات المروّعة اليومية.


المركزُ ناشدَ- من خلال العشرات من التقارير- المنظماتِ الدولية والدولَ الفاعلة في الأزمة السورية للقيام بواجبها، وطالبها بالتدخّل لمنع ارتكاب المزيد من الانتهاكات والجرائم التي تطال المدنيين جرّاء الممارسات الممنهجة ضد السكان المحليين، والتي تُرتكبُ من قبل الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا.


 


سجلات الانتهاكات اليومية


تردنا يومياً ولحظياً العشراتُ من الانتهاكات المرتكبة، والتي يخشى الضحايا أو ذويهم كشفها خشيةَ الانتقام منهم. وهي تكشف عن مدى فظاعة ممارسات القوات التركية والمليشيات المتشددة السورية المرافقة لها بحق السكان المدنيين في عفرين، من حيث التهجير والقتل والاعتقالات والسطو على الأملاك والتغير الديمغرافي الممنهج والتدمير البيئي، لتشملَ جميعَ جوانب الحياة بغرض التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي ضمن ما يسمى” الحل النهائي ” في جغرافيةٍ لا تخضع لنفوذها السياسي والقانوني والثقافي، أي إنّها تتحرك وفق إرادة القوة والغطرسة والاحتلال لتوسيع نفوذها داخل الدول الجوار، مستفيدةً من الصفقات السياسية التي تُحاك ضدّ الشعب السوري والكردي من جهة، ومن التجارب الإجرامية الدولية المعروفة والمترسخة في بنية تاريخها السياسي على شاكلة المجازر المرتكبة بحق الأرمن والكرد والعلويين وباقي القوميات والثقافات في بلاد الأناضول وكردستان منذ نشوء الدولة التركية المعاصرة بغرض صهر وتصفية كلّ المكونات الثقافية ضمن عقيدة دولة واحدة وقومية واحدة وإيديولوجية واحدة وعلم واحد، تارةً عبر التطهير الجسدي المباشر، وتارة تحت يافطة الصهر الثقافي والإبادة الاقتصادية والخضوع القهري للسكان المحليين، وكلا الشكلين من حيث التعريف القانوني يصبّان في بوتقة “الإبادة الجماعية”.


من المؤكد أنّ القائمين على هذا المشروع الإجرامي من الجهات التنفيذية بدءاً من القوات العسكرية التركية وأجهزة المخابرات والمليشيات المتشددة السورية والجهادية والجهات الخفية الموازية للدولة التركية والتي تتعامل فوق أي شكل قانوني، بحوزتهم خارطة طريقة واضحة المعالم لتنفيذ هذه المقاربة وفقاً ما نراه يومياً من الممارسات المروعة والجسيمة في عفرين، في حين يبدو موقفُ المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي مشلولاً حيال هذه الانتهاكات دون أن يرتقي إلى مستوى هذا الحدث المروع. وكأنّه يراد من هذه المنطقة أن تكون مستباحة كلياً بدون أي حماية قانونية محلية كانت أو دولية.


الانتهاكات التي ارتكبتها القوات االتركية مع مجموعات سوريا مسلحة كانت تقاتل سابقا تحت راية الجيش الحر أو داعش أو القاعدة في عفرين خلال الفترة الممتدة من حتى 31 ديسمبر كانون الأول 2018 بلغت:


 


تهجير 350 ألفا من سكان منطقة عفرين، منهم 50 ألف هجر بعد احتلال المدينة نتيجة تصاعد وتيرة الانتهاكات، وأيضا هجر 95% من المسيحين، ومن الإيزيديين والعلويين نتيجة استهدافهم المباشر من قبل ميليشيات المعارضة بين خيار الإسلام أو الاعتقال والقتل، حيث دمرت الكنائس والمراكز الدينية للإيزيدين والعلويين وتم نهب المحتويات وحرقها.


ومنذ تمكّن القوات التركية والفصائل المسلحة الإسلامية في الـ 19 من آذار / مارس 2018، من احتلال منطقة عفرين بعد عملية عسكرية بدأت تحت مسمى “غصن الزيتون” في الـ 20 من كانون الثاني / يناير من العام ذاته لم تتوقفِ الجرائمُ بحقّ السكان.


العملية العسكرية تمت بمساندة من مجموعات الذئاب الرمادية التركية والطائرات الحربية \1042 غارة\ والمروحية التركية واستمرت مدة شهرين /59 يوم/ مسببة  دمار هائل في البنية التحتية وفي ممتلكات المواطنين وفي مجازر وقتل تسبب في استشهاد 380 مدني بينهم 55 طفلاً و36 امرأة، من المدنيين من المواطنين الكرد والعرب، العشرات منهم استشهد في انفجار ألغام وتحت التعذيب على يد فصائل عملية “غصن الزيتون”، وغالبيتهم ممن قضوا في القصف الجوي والمدفعي والصاروخي التركي، وفي إعدامات طالت عدة مواطنين في منطقة عفرين، وقتل تحت التعذيب، إضافة لجرح المئات وتشريد مئات آلاف آخرين.


بقيت الانتهاكاتُ والممارسات اللإنسانية حصةَ من تبقّى من سكان منطقة عفرين ممن رفضوا الخروج من المنطقة، وترك منازلهم ومزارعهم للقوات التركية والفصائل التي نهبت وعفَّشت وسرقت واستولت على ممتلكات المدنيين والممتلكات الخاصة والعامة في كامل منطقة عفرين.


وفي احصائية شاملة قام “مركز توثيق الانتهاكات شمال سوريا\مراقب” بنشرها فإنه تم توثيق  ( 650) حالة قتل لمدنيين من بينهم أطفال ونساء و مسنين، إضافة لتوثيق (4500) حالة خطف واعتقال. و (970) حالة إصابة بجروح نتيجة مداهمة المنازل أو شظايا المتفجرات أو نتيجة تعرضهم للضرب من قبل المسلحين والالغام.


بالإضافة إلى توثيق 78 حالة اقتتال داخلي بين المجموعات المسلحة في الأحياء السكنية، وتوثيق تحويل (45) مركز تعليمي ومدني إلى مقرات عسكرية ومصادرة (260) منزل وتحويلهم إلى سجون أو مراكز عسكرية.


كما وجرى توثيق (58) حالة حرق متعمّد لممتلكات الأهالي (المنازل والمحلات وبساتين). وتوثيق هدم ( 51) منزل. وجرف (1200) قبر، وعدم السماح لسكان العشرات من القرى بالعودة لمنازلهم المحتلة من قبل مستوطنين.


بالإضافة إلى (24) حالة لقصف من قبل الطيران التركي قرب أماكن مأهولة بالسكان.


إضافة إلى فرض الإتاوات تحت اسم الزكاة، تهجير السكان من منازلهم لتحويلها إلى جامع، إجبار الايزيدين على الصلاة، منع الأهالي من التوجه لبساتيهم ومنع حصادها، مصادر أراضيهم واستثمارها والاستيلاء عليها وعلى ممتلكاتهم ومنازلهم، ومصادرة محصول الزيتون والأشجار واحتطابها وبيعها.


انتهاكات ترتقي لمستوى جرائم الحرب والجرائم الإنسانية التي بموجب القانون الدولي لن تسقط بالتقادم، ولن يفلت مرتكبوها من العقوبة.


الحالات موثقة بالاسم، والصور، والشهادات لا تمثل 30 % من حجم الانتهاكات التي تجري على الأرض. كما وأنّ المستوطنيين العرب يشاركون المسلحين السوريين في الاعتداءات وفي الاستيلاء على منازل المدنيين ورفض إخلائها وفي حصاد أراضيهم وجني ثمار محاصيلهم وأشجارها، وهم يعتبرون مشاركين في تلك الجرائم و سيلقون تبعاتها القانونية والأخلاقية.


 


عفرين قبل الاحتلال التركي


عفرين- بنظر السياسة الواقعية- كانت تسعى إلى حماية وجودها عبر إدارة شؤونهم الذاتية بصورة مشتركة بين الكرد والعرب وباقي المكونات الدينية المتنوعة في المنطقة في ظل الفوضى العارمة التي تشهدها البلاد، وكانت تعتبر نموذجاً مقبولاً في سوريا كي تؤسس نحو الاستقرار والأمن المنشود، وهي من أجل ذلك لم تمارس أي انتهاك ضد السكان المحليين أو ضد الدولة التركية بتاتاً، بخلاف التنظيمات الإرهابية التي كانت تستبيح الحدود التركية وتمارس أنشطتها الإرهابية على الشريط الحدودي داخل الأراضي السورية وتركيا سواء بعلم أجهزة المخابرات التركية أم بدون ذلك.


هذه التنظيماتُ، التي وثقت أكثر من الجهة الدولية والحقوقية والإعلامية بعلاقاتها المباشرة مع الدولة التركية، هي من كانت تشكل الخطرَ الوجودي على السكان المحليين السوريين وحتى على المدنيين الأتراك وعلى العالم جمعياً. هذه المنظمات هي من تشكل الخطر الوجودي على الأمن المحلي والإقليمي والدولي، ونفس هذه التنظيمات الإجرامية والإرهابية من استقدمتهم أردوغان في غزو عفرين واحتلالها في والوقت الذي كان التحالف الدولي مع قوات وحدات حماية الشعب وقسد تحارب الإرهاب في ديرالزور.


ويلزم أن يتمركز جلُّ اهتمامنا وجهودنا السياسية والحقوقية لفضح هذه الازدواجية في احتلال عفرين، فذريعة ” الأمن القومي التركي” شكلت دعايةً لا تملك أيّ سند واقعي بغرض إمعان الدولة التركية مع الفصائل المسلحة في تنفيذ سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي تهرباً من قضية حقوق الكرد وباقي المكونات العيش ضمن وطنهم وفق إراداتهم السياسية والاجتماعية والثقافية. وهنا ليس ثمة فرقٌ شاسع بين مصطلحَي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي تعباً للتفسير القانوني والاصطلاحي. فالأخير يعتبر جزءاً مباشراً من سياسة الإبادة الجماعية والثقافية، وهو أمر مدان وفق الاتفاقية الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية، وكذلك تعتبر منظمة اليونسكو أنّ القمعَ الثقافي المنظم شكلٌ من أشكال الإبادة الجماعية.


من أهمّ المساعي التي تقوم بها الدولةُ التركية- والفصائل المسلحة السورية المرافقة- لها أمام الجهات الدولية والرأي العام العالمي هو إخراجُ عفرين من إطار حماية القانوني الدولي، مستغلين في ذلك المعايير المزدوجة التي تنتشر في الساحة السورية. فمن الممكن أن نشهدَ في سوريا الجماعات السورية المحلية التي تمارس حقها الوجودي والديمقراطي في تدشين مؤسسات سياسية مدنية حرة، ويجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها في عالم لا تشملهم القوانين الدولية فيما يتعلق بالحرب والسلم، في حين تتمتع بعضُ الجماعات الإرهابية والاستبدادية بحصانة قانونية ما، أو تتستر على جرائمها المنظمة عبر التغطية الدعائية والإعلامية والدبلوماسية والسياسة.


عفرينُ كانت ضحيّةَ تلك السياسة النفعيّة الفجّة، والحسابات اليومية القذرة التي ينعدم فيها أي نوع من المعايير العقلانية والحقوقية والسياسية المستندة على القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المعروفة من جنيف ولاهاي واتفاقية الإبادة الجماعية، ومن أجل ذلك كانت بمثابة مدينة مستباحة كلياً لا تملك أيَّ مسند للحماية القانونية.


نحن في مركز التوثيق والانتهاكات في شمال سوريا واستناداً إلى مرجعيات دولية فيما يخص جرائم حرب وجرائم التطهير العرقي وجرائم ضد الإنسانية،  نرى أنّ عفرين تعتبر كتلة اجتماعية موحدة تحتوى على الكرد والعرب وباقي المكونات الدينية والاثنية الأخرى، وبالتالي لا يمكن أن نفصل الحقوق الجماعية في التمتع بالحياة والحماية القانونية عن حقوق الأفراد الذين يتعرضون يومياً إلى الانتهاكات المروعة، لأنّ المخطط اليومي الممنهج الذي نشهده حالياً لا يستهدف أفراداً ومجموعات معينة بحد ذاتها، وإن كانت تتذرع بالضرب النخبة السياسية والتعليمية والمجموعات التي تمثل المقاومة في مواجهة الإرهاب والاحتلال، غير أنّ المحصلة النهائية وحسب الانتهاكات المروعة والأفعال المستمرة تفيد بأنّ ما ترمي إليه الدولة التركية هو استئصال المكوّن الكردي من منطقة عفرين بصورة قطيعة، لاسيما أنّ سياسة إحلال السكان الوافدين بدلاً من السكان الأصلين تجري على قدم وساق. وبالتالي نحن أمام منهجية التطهير العرقي” الترحيل القسري” في تنفيذ مخطط إبادة جماعية ضد الكرد في المقام الأول، وعلى الجهات المعنية والحقوقية أن تنظر إلى المسألة من الناحية الحقوقية بهذا المنظار، ولا تركز فقط على انتهاكات فردية هنا وهناك وكأنّها انتهاكات فردية عشوائية لا تتضمن أفعال منظمة ضد الكتلة السكانية بعينها، لأنّ الرؤية السياسية التركية- وبناءً على أفعال ملموسة والتي تقوم بها الفصائل المسلحة مع القوات المسلحة التركية- تتمركز على عقيدة القوة والعنف والحرب الدائم والترحيل القسري، حيث يصرحون يومياً في خطاباتهم التي تترجم فوراً إلى الوقائع الميدانية العسكري والعنفية.


ووفق هذه الصيغة”: ” يلزم تحطيم الكرد في سوريا بأي شكل كان، وحتى لو نضطر أن نستخدم المجموعات الجهادية والإرهابية العالمية في سبيل ذلك المسعى”. وبالتالي هذه المنهجية ليست أخطاء فردية ترتكب من قبل شخص من هذا الفصيل أو مجموعة شاذة من فصيل عسكري آخر، فهذه المقاربة المنظمة تستهدف عفرين بتاريخها وجغرافيتها وناسها ومكوناتها وأشجارها من الزيتون ومياها ولقمة عيشها وكل ما يمت بالبيئة البشرية والحيوية في هذه الجغرافية.


حجّةُ الدفاع عن النفس أو الأمن القومي


ينصّ ميثاقُ الأمم المتحدة المتعلق بالدفاع عن النفس، المادة 51، على ما يلي: ” ليس في هذا الميثاق ما يخلّ بالحق الأصيل في الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع هجومٌ مسلح ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لصون السلم والأمن الدوليين “. ويدّعي المسؤولون الأتراك أنّ أعمالهم في عفرين اتخذت وفقا لهذا الحكم. ومع ذلك، لم يتم شن “هجوم مسلح” ضد تركيا من عفرين، أو أي إقليم آخر في روجافا.


بالمقابل فإنّ تصريحاتِ الرئيس التركي أردوغان كانت واضحة في الأيام التي سبقت العملية العسكرية من كونه سيشن حرباً هجومية وليست دفاعا كما يدعي، كونه بالأصل لم يتلقَّ أي تهديد .


في مؤتمر حزبه الذي عقده في ايلازيج في منتصف كانون الثاني / يناير، قال: ” إذا لم يستسلم الإرهابيون في عفرين فإنّنا سنسحقهم”. وفي كلمة أخرى، قال معلقاً على تصريحات امريكية عن إنشاء “قوة حدودية” في شمال سوريا، واعداً “بتدمير هذا الجيش الإرهابي في مهده”.. يوافق معظم المنظرين على أنّ التهديد الذي يتطلب اتخاذ إجراءات استباقية يجب أن يكون وشيكا، وأن تكون الاستجابة الوشيكة متناسبة. هذا المعيار لا يتحقق في عفرين.


لم تواجه تركيا أيَّ تهديدٍ وشيك من قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب والتي أكدت في عدة بيانات بأنّهم ملتزمون بالدفاع عن النفس داخل سوريا. وبما أنّه لا يوجد أي تهديد حقيقي، فإنّ ردّ تركيا – أي قصف المدن المدنية في جميع أنحاء المنطقة واستخدام الوكلاء الجهاديين لغزو الأراضي التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية – لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع القانون الدولي.


وعلى الرغم من المزاعم التركية على العكس من ذلك، فمن الواضح أنّ الدفاعَ عن النفس التقليدي أو الاستباقي لم يبرّر إطلاق العملية. كما وانّ تركية لم تبلغ مجلس الأمن الدولي – وهو شرط آخر في المادة 51- عن أي خروقات على حدودها طيلة السنوات السابقة، وهي لم تبلغ مجلس الأمن أيضا بالعملية العسكرية.


 


استهداف المدنيين


سيرُ العملية العسكرية التركية لا يفي بالمعايير الدولية المتصلة بالحرب. فبموجب نظام روما الأساسي، فإنّ ” توجيه الهجمات عمداً ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد الأفراد المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية” يعتبر جريمة حرب. حيث كانت الطائرات التركية تقصف المناطق المدنية في عفرين. وقال مقدم في قناة “TRT نيوز”، وهي قناة تلفزيونية تركية تديرها الدولة، أكثر من مرة في بث أنّ القوات المسلحة التركية تستهدف وتقتل المدنيين في عفرين.


وفي 31 كانون الثاني / يناير، تم تسجيل إصابات في عفرين وجندرس وراجو وماباتا وشيراوة وغيرها من المدن والقرى ، وأشرطة الفيديو التي تبين تدمير القرى تظهر ذلك حيث أظهرت إحدى المشاهد تدمير كامل لمنازل المدنيين في إحدى القرى ومسحها عن الوجود، والقرية اسمها خالتا في ناحية شيراوا دُمّرت جراء القصف الجوي والمدفعي، وهو ما يُعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي.


مُلكية ثقافية


تم استهداف المواقع التاريخية بشكل متعمّد في عفرين. حيث توجد أربعة مواقع أثرية لاقت نصيبها من القصف التركي الجوي على عفرين وهي:  تلة عندارا والمواقع الأثرية في نبي هوري المصنفة على قائمة اليونسكو، وقريتي كوبلة وعلبيسكة التي يتواجد فيهما العديد من الكنائس الأثرية. حيث تنص مبادئ القانون الدولي العرفي على أنّه “يجب إيلاء عناية خاصة في العمليات العسكرية لتجنب الأضرار التي لحقت بالمعالم التاريخية ما لم تكن أهدافاً عسكرية أو ممتلكات ذات أهمية كبيرة للتراث الثقافي، لكن يجب ألا يكون الناسُ هدفاً للهجوم إلا إذا اقتضت الضرورة العسكرية ذلك “.


وقد دمّرتِ القنابلُ التركية ما يقدّر بنحو 60 في المائة من المعبد الحثي في عين دارة، وهو موقع ثقافي عمره 3500 سنة، والعديد من الآثار التاريخية الأخرى. أدانت الحكومة السورية هذا الهجوم، وقارنت المصادر في عفرين بتدمير داعش لمواقع مثل تدمر. وبالنظر إلى تاريخ المعبد الطويل كان القصف التركي غير مبرر وغير قانوني.


كما وأنّ في الفترات التالية للاحتلال تعرضت مختلفُ المناطق الأثرية والمعابد للتدمير والنهب والسرقة.


الأسلحة المحظورة


تشير تقارير عديدة إلى أنّ تركيا تستخدم أسلحة محظورة دولياً  في حربها على سكان عفرين. وأكدت قيادات قوات سوريا الديمقراطية ومصادر محلية، أنّ تركيا استخدمت النابالم ضد المدنيين، وقال الأطباء في مستشفى أرفين في عفرين أنّهم شاهدوا “حروقاً غير طبيعية” على جثث المدنيين الذين قتلوا في راجو. وتزعم مصادر محلية أخرى استخدام الغاز والذخائر العنقودية. ويجب التحقيق في هذه الادعاءات، وإذا تأكدت، يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة.


كيف يجب أن يستجيب العالم؟


يجب على جميع الدول الفاعلة في الشأن السوري- لاسيما الولايات المتحدة وروسيا- أن يتخذوا خطواتٍ فورية لوقف الحرب وإنهاء تواطئهم في جرائم الحرب التي ترتكبها تركيا ضد المدنيين في عفرين والتي وصلت لحد التمثيل بجثث النساء وقتل الأطفال. حيث لم يكن قصف المدنيين ممكنا بدون الضوء الأخضر الروسي وفتح المجال الجوي السوري أمام الطائرات التركية. كما وأنّ هذه الطائرات قد اشترتها تركيا من الولايات المتحدة.


يجب على صُنّاع السياسة في الولايات المتحدة أن يتصرفوا فوراً لحظر مبيعات الأسلحة في المستقبل – وعلى جميع الحكومات الأخرى التي تستخدم معداتها العسكرية في العمليات التركية أن تفعل الشيء نفسه ولا سيما المانيا. ويتعين على الدول التي تعمل بالفعل كشركاء لقوات سوريا الديمقراطية على الأرض في سوريا – وخاصة الولايات المتحدة وروسيا – أن تقدم مساعدتها في عفرين بدلاً من محاولة عكس مسارها والتعاون مع أردوغان.


وعلى المدى الطويل، يجب على الدول والمنظمات الدولية ذات الصلة أن تبدأ عملية المُساءلة القانونية عن جرائم تركيا في عفرين. وفي حين أنّ تركيا ليست طرفا في نظام روما الأساسي، لا تزال هناك عملية لإحالة إجراءاتها إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتنص المادة 14 من نظام روما الأساسي على أنّه يجوز لأي دولة طرف في المعاهدة أن ” تشير إلى المدعي العام حالة يبدو أنّها ارتكبت فيها جريمة أو أكثر من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة تطلب إلى المدعي العام التحقيق في حالة الغرض من تحديد ما إذا كان ينبغي توجيه تهم إلى شخص معين أو أكثر بارتكاب هذه الجرائم “.


ومن الواضح أنّ تركيا ارتكبت جرائمَ ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في عفرين. الصور ومقاطع الفيديو والشهادات من سكان المنطقة الذين يشهدون على الجرائم المتاحة بحرية. فأي دولة من الدول ال 123 التي صدقت على نظام روما الأساسي يمكن – بل ينبغي أن تبدأ – بجمع الأدلة لإحالة. يجب على شعوب تلك الدول الضغط على حكوماتها للقيام بذلك.


إنّ تصرفاتِ تركيا في عفرين هي مثالٌ واضح على جرائمَ ضدّ الإنسانية، وفق منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية. وإذا كان العالم يؤمن بقيم مؤسساته، فإنّه سيسّمي هذه الجرائم على ما هي عليه، ويعمل على وقفها، ويضمن المساءلة.

جرائم الحرب التركية في عفرين



مصطفى عبدي

تواصل الدولة التركية حربها على مدينة عفرين مستخدمة في ذلك سلاح الجو والمدفعية والدبابات وقرابة ثلاثة آلاف من جنودها وفرق المشاة، بالإضافة إلى عشر فصائل من ميليشيات المعارضة السورية، ويبلغ مجموع تعدادهم بحسب تصريحات من قادتهم 25 ألفا.

الحرب خلفت حتى يومها السادس عشر لا أقل من 155 قتيلاً من المدنيين وأكثر من 320 مصاب نتيجة عمليات القصف العشوائي المستمر على قرى المدنيين.

يبرر القادة الأتراك أن حربهم على عفرين هي “دفاع عن النفس” تجري وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وقد قبلت دول كثيرة، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة، هذا التبرير، وأشارت إلى المخاوف الأمنية المشروعة لتركيا، ولكن طالبتها بوقف التصعيد. موقفهم الضعيف والمتردد دفع تركية إلى زيادة العنف واستخدام سلاح الجو والمدفعية حيث فسرت ذلك الموقف بأنه دعم لحربها المفتوحة ضد الكرد.

هل تجري الحرب التركية وفق مواثيق الأمم المتحدة؟

نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة:


“ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول -أعضاء “الأمم المتحدة-  فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت قوة مسلحة عليها,  وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، ومن التدابير التي يتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس أن تبلغ المجلس فورا، وألا تؤثر هذه التدابير بأي حال على ما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة – من أحكام هذا الميثاق ومن الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يراه ضروريا من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه.”


يكرر القادة الأتراك أن حملتهم العسكرية ضد وحدات حماية الشعب في عفرين شمالي سوريا، مشروعة وفق هذه المادة. لكن تركيا لم تبلغ مجلس الأمن بشنها لأي عمل عسكري خارج حدودها، ويستهدف قوات عسكرية شريكة للتحالف الدولي في محاربة تنظيم داعش. لم تبلغها لا قبل ولا أثناء العمل العسكري. كما وإن وحدات حماية الشعب لم تقم بشن أي هجمات ضد تركيا، لا من عفرين، ولا من أي مدينة حدودية على طول الحدود السورية التركية، كما وأنها التزمت دائما ومنذ تأسيسها في العام 2012 حماية المدن الكردية، ونشرت عدة بيانات تدعو فيه تركية إلى الحوار، وأنها ملتزمة بالحفاظ على أمن الحدود المشتركة التي تتجاوز 350  كم.  كما وأن تركيا وبحسب نفس المادة 51 ، كان عليها أن تبلغ مجلس الأمن بالخروقات والتهديدات المزعومة، وهو ما لم يتحقق طيلة السنوات الخمس أو الست السابقة كون لا توجد أي خروقات.

بالمقابل فإن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أوحت منذ بداية التعاون الأمريكي مع وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية أنها ضد هذا التحالف، وهددت مراراً بشن هجمات على مدينة تل أبيض، ومنبج وكوباني والحسكة، كما وأنها قصف عدة أهداف حدودية بالأسلحة الثقيلة.


أردوغان قبل أقل من أسبوع من حملته على عفرين هدد في إحدى مؤتمراته الحزبية بـ “سحق وحدات حماية الشعب إن لم تسلم عفرين”. وقال أيضا تعليقاً على تصريحات أمريكية عن إنشاء “قوة حدودية لحماية أمن المناطق المحررة في شمال سوريا”: “سندمر هذا الجيش الإرهابي في مهده”. كما وأنه اتهم الولايات المتحدة بأنها تحاول فتح ممر يتيح ربط المناطق الكردية بالبحر الأبيض المتوسط، وإن الأمريكان لديهم خطة لتقسيم سوريا وإقامة دولة كردية شمال سوريا.


الإعلام التركي الرسمي أشار مراراً أن الحرب التركية في عفرين – وصفوها بالمقدسة- هي استمرار لمعركة جرت في العام 1920 ضد الفرنسيين والبريطانيين، وهي لاستعادة هذه المدينة وضمها إلى تركيا كونها جزء من تركية حسب “الميثاق الوطني” (بالتركية العثمانية “ميثاق ملّي”)، ولا سيما وأن الفرق العثمانية ترافق الجيش التركي رافعين أعلامهم وشعاراتهم القومية.

كل تلك التصريحات وغيرها، تؤكد أن العمليات العسكرية التركية هي هجوم مسلح وعدوان ومحاولة لاحتلال مدينة آمنة، ظلت طيلة سنوات الحرب السورية ملاذا لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين. وأن التذرع بأن العدوان هو لحماية الأمن القومي، أو دفاع عن النفس هو غير صحيح بالمطلق، على العكس تماما فتركيا اليوم من تهدد لا بل وتقصف وتقتل الأطفال وتدمر القرى وتستخدم آلاف الجهاديين لغزو عفرين

استهداف المدنيين، التغيير الديمغرافي:

أعداد الضحايا من المدنيين في ارتفاع نتيجة القصف العشوائي للمدينة والقرى، وهو القصف الذي تستهدف تركية منه إزاحة السكان نحو المناطق الداخلية في حلب أو حتى فتح ممرات لهم للتوجه إلى تركيا. وهي سياسة ظلت تركية تتبعها ضد المناطق الكردية في داخل أراضيها منذ 35 عاما، حيث قامت بتدمير آلاف القرى وتهجير مئات الآلاف من سكانها الكرد، من المناطق الحدود باتجاه المدن الكبيرة.


القادة الأتراك أعلنوا أن هدفهم الثاني من الحرب على عفرين هو إعادة 3.5 مليون لاجئ سوري من تركيا وإسكانهم في تلك المنطقة التي وصفوها بأنها ستكون “آمنة” بالمقابل الحكومة السورية المؤقتة التابعة إلى المعارضة السورية في عنتاب قالت إنهم قاموا بتجهيز آلاف المخيمات لاستقبال قرابة نصف مليون من سكان عفرين، هذا الأمر يوضح تماما أن تركيا تسعى بالفعل لإحداث تغيير ديمغرافي شمال سوريا لن يتوقف بالطبع عند عفرين وإنما سيمتد إلى طول حدودها حتى منبج وكوباني وتل أبيض ورأس العين حتى الحدود العراقية، في محاولة لإعادة إحياء مشروع الحزام العربي المشؤوم لكن بنكهة تركية هذه المرة، خاصة وإنها طبقت ذات السياسية في ما يسمى بمناطق درع الفرات، حيث تم تهجير آلاف الكرد من جرابلس والباب واعزاز تحت تهديد الاعتقال ومصادرة الممتلكات.

بطبيعة الحال فإن سير العملية العسكرية التركية لا يفي بأي من المعايير الدولية المتعلقة بالحرب، ويمكن اعتبار عملياتها العسكرية جريمة حرب ضد الإنسانية، ولعل “نظام روما الأساسي كان واضحا هنا في هذا التوصيف من حيث أن وجّه الهجمات عمداً ضد السكان المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية، يعتبر جريمة حرب. وهو ما ثبت من خلال مواصلة الطائرات التركية قصف المناطق المدنية في عفرين، أفاد الهلال الأحمر الكردي أنه حتى 4 شباط، قتل 155مدنيا وأصيب 300 آخرون بجروح متفاوتة غالبها بتر في الأطراف. كما وأن المذيعة في قناة TRT التركية الرسمية توغبا دالكيليتش اعترفت أكثر من مرة ضمن فقرة إخبارية عن أن القوات التركية تشن هجمات على المدنيين من خلال القصف الذي يتسبب في قتل المدنيين في عفرين. وذلك نقلا عن مراسلهم بولندت جولجو أوغلوا.  ولعل قيام تركية بتجربة طائراتها من دون طيار في الاستخدام الحربي في عفرين يعطي دليلاً كافياً على مدى الاستهتار بحياة المدنيين، هذا كله عدا عن الحقد الواضح من خلال لجوء كبار قادة الجيش والحكومة وبينهم الرئيس أردوغان بكتابة أسمائهم أو رسائل التشفي على الصواريخ التي تقتل أطفال ونساء عفرين. هذا عدا عن عشرات الفيديوهات التي يتم نشرها من قبل الميليشيات المرافقة للجيش التركي وعناصر الجيش والتي تظهر تعذيب المدنيين، والتمثيل بالجثث وتقطيعهم وتصوير ذلك. ومشاهد ينشرها السكان المحليون عن تدمير منازلهم والقصف المستمر والعشوائي وكل ذلك يعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي.


الملكية الثقافية:

قد لا يشكل موت المدنيين وتدمير المدن أهمية بالنسبة للمجتمع الدولي، لكن ما حدث في عفرين تجاوز ذلك، حيث يتم استهداف المواقع التاريخية بشكل متعمد. حيث توجد أربع مواقع أثرية لاقت نصيبها من القصف التركي الجوي على عفرين وهي “تلة عندارا والمواقع الأثرية في نبي هوري المصنفين على قائمة “اليونسكو”، وقريتي كوبلة وعلبيسكة التي يتواجد فيهما العديد من الكنائس الأثرية. حيث تنص مبادئ القانون الدولي العرفي على أنه “يجب إيلاء عناية خاصة في العمليات العسكرية لتجنب الأضرار التي لحقت بالمعالم التاريخية ما لم تكن أهدافا عسكرية [و] ممتلكات ذات أهمية كبيرة للتراث الثقافي لكل يجب ألا يكون الناس هدفا للهجوم إلا إذا اقتضت الضرورة العسكرية ذلك “. وقد دمر القصف التركي ما يقدر بنحو 65 في المائة من المعبد الحثي في ​​عين دارة، وهو موقع ثقافي عمره 3500 سنة، والعديد من الآثار التاريخية الأخرى. وهذا الهجوم على المواقع الأثرية وتدميرها لا يختلف بأي حال عن ما كانت تقوم به داعش من تدمير للآثار والمعابد الدينية.


 

استخدام الأسلحة المحظورة:

تشير تقارير عديدة إلى أن تركيا تستخدم أسلحة محظورة دولياً في قصف مدينة عفرين. وأكدت قيادات قوات سوريا الديمقراطية ومصادر محلية أن تركيا تستخدم النابالم ضد المدنيين، ويقول الأطباء في مستشفى أرفين في عفرين أنهم شاهدوا “حروقا غير طبيعية” على جثث المدنيين الذين قتلوا في راجو.


كما وإن مصادر محلية أخرى أشارت إلى وجود أعراض لاستخدام الغاز والذخائر العنقودية. وهو ما يتطلب تشكيل لجنة دولية لمتابعة هذه المزاعم خاصة وأن تركيا والميليشات التي تدعمها سبق وأن استخدمتها في استهداف حي الشيخ مقصود الكردي في حلب واعترفت بذلك أمام وسائل الإعلام على خلفية قيام إحدى مجموعاتهم بالخطأ بنشر فيديو توثق الاستهداف.

نفوق الثروة الحيوانية:

بلغ عدد رؤوس الماشية التي نُفقت جراء الهجمات التركية على مقاطعة عفرين  أكثر من 30 ألف، كما إنه ما يقارب ثمانية آلاف هكتار من مساحة الأراضي الزراعية باقية دون اعتناء وزراعة، أثر استهداف طائرات جيش الاحتلال التركي وإرهابيّه المدنيين وممتلكاتهم.

لم يسلم من قصف الاحتلال التركي على إقليم عفرين لا بشر ولا شجر ولا حجر، وكانت للثروة الحيوانية والزراعية نصيب من الضرر أيضا. كما إن الأهالي لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم الزراعية نظراً لقربها من الحدود التي يشهد اشتباكات حادة، ما يؤدي إلى عدم الاعتناء بالزرع.

الثروة الحيوانية، والزراعية:

القصف التركي الجوي لم يقتصر فقط على منازل المدنيين والمراكز الصحية والتعليمية والخدمية في عفرين، فقد تسبب في إلحاق أضرار كبيرة بالحيوانات الداجنة حيث تضررت نسبة كبيرة من الأغنام والماعز العائدة لأهالي تلك القرى.

إحصائية أولية من مديرية الزراعية أشارت إلى نفوق ما يزيد عن 200 بقرة، وحوالي 35 ألف رأس من الغنم والماعز في كل من منطقة راجو، شيه، بلبلة، شرا وشيراوا، وتدمير 5 مداجن ونفوق كامل الدواجن نتيجة القصف الجوي.

بالنسبة للزراعة تضررت نسبة هائلة من الخضروات والنباتات، حيث تضرر ما يقارب ثمانية آلاف هكتار من المساحات الزراعية الحدودية وحتى عمق 5 كم وخاصة في منطقة جندريسه، حيث تزرع فيها الخضروات المبكرة بشكلٍ كثيف، كم وتوقفت الزراعة في البيوت البلاستيكية حيث كانت عفرين سلة المناطق المحاصرة في حلب وإدلب وحمص وحماة طيلة السنوات الأربع الاخيرة، وكانت تحقق نوعاً من الاكتفاء الزراعي خلالها.

يجب على المجتمع الدولي التحرك:

جميع الدول الفاعلة في الشأن السوري لاسيما الولايات المتحدة وروسيا يجب أن تتخذ خطوات فورية لوقف الحرب التركية، ووقف تواطئهم في جرائم الحرب التي ترتكبها تركيا ضد المدنيين في عفرين، وآخرها كانت جريمة التمثيل بجثة المقاتلة الكردية آرين كوباني وغيرها من الجرائم الكثيرة.

مؤكد أنه لم يكن لتركيا أن تنفذ هجماتها لولا الضوء الأخضر الروسي وفتح المجال الجوي السوري أمام الطائرات التركية. هذه الطائرات تشتريها تركيا من الولايات المتحدة وهي الشريك المفترض لوحدات حماية الشعب في الحملة الدولية على داعش. يجب على صناع السياسة في الولايات المتحدة أن يوقفوا توريد السلاح إلى تركيا ويدققوا في مبيعات الأسلحة في المستقبل – وعلى جميع الحكومات الأخرى التي تستخدم معداتها العسكرية في العمليات التركية أن تفعل الشيء نفسه ولا سيما ألمانيا. يتعين على الدول التي تعمل بالفعل كشركاء لقوات سوريا الديمقراطية على الأرض في سوريا – وخاصة الولايات المتحدة وروسيا – أن تقدم على مساعدتهم في عفرين بدلاً من محاولة عكس مسارها والتعاون مع أردوغان. لا أقل من 15 % من قادة ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية هم من عفرين، وشاركوا بفعالية في حملة تحرير الرقة من تنظيم داعش، ولعبوا دوراً محوريا في سير المعارك ولا زالوا مشاركين في الحملة في ريف دير الزور.

على المدى الطويل، يجب على الدول والمنظمات الدولية أن تبدأ عملية المساءلة القانونية عن جرائم تركيا في عفرين. وإحالة ملفات انتهاكاتها إلى المحكمة الجنائية الدولية. ليس من شك أن تركيا ارتكبت جرائم ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في عفرين. الصور ومقاطع الفيديو والشهادات من سكان المنطقة الذين يشهدون على الجرائم يوميا من خلال القصف العشوائي متاحة بحرية ويمكن البدء بجمع الأدلة لإحالة تركيا إلى الجنايات الدولية. وهنا يأتي دور شعوب تلك الدول بالضغط على حكوماتها للقيام بذلك.

الحرب التركية على عفرين هي مثال واضح على جرائم ضد الإنسانية، وفق منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية. وإذا كان العالم يؤمن بالفعل بقيم مؤسساته، فإنه سيسمي هذه الجرائم على ما هي عليه، ويعمل على وقفها، ويضمن المساءلة.

هل حرب التحالف في كوباني لتحريرها أو تحويلها أنقاضاً؟

أربعة أشهر مرت من الحرب التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة كوباني، الذي ما يزال يسيطر على 95% منها إذا ما أشملنا القرى، كما وانه ما يزال موجودا في عدة أحياء بالمدينة بنسبة سيطرة تصل إلى 30%.


التحالف الدولي يواصل استهداف تنظيم الدولة داخل مدينة كوباني بقصف مركز، وطائراته تحلق باستمرار في أجواء المدينة، القصف بدأ منذ ثلاثة أشهر وبالتحديد في الثالث والعشرين من اكتوبر 2014، بيان القيادة الأميركية الوسطى حول عملياته ضد التنظيم يشير إلى أنهم مع انتهاء العام 2014 نفذوا بحدود 15 ألف و465 طلعة جوية، وتم إلقاء 5 آلاف قُنبلة واستهداف أكثر من 3 آلاف نقطة، وإن إجمالي الغارات وصل إلى 1676 غارة حتى 31 ديسمبر 2014، تم خلالها تدمير 58 دبابة، و 900 آلية عسكرية، من بينها 184 سيارة رباعية الدفع من طراز هامفيز، و26 عربة مصفحة، بالإضافة إلى استهداف 52 موقعاً محصَّنا تحت الأرض، و673 موقعا قتاليا، ونحو ألف مبنى.


وإن أحصينا حصة كوباني من تلك الغارات نجدها بحدود 35%، حيث تجاوز العدد 650 غارة بمعدل غارة كل أربع ساعات.


كوباني إذاً بعد أربعة أشهر من حرب داعش، وثلاثة أشهر من قصف التحالف تحولت إلى أنقاض، وباتت مدمرة بشكل شبه كامل، فأحياء عديدة سويت بالأرض كحي بوتان الشرقي والغربي، وحي الصناعة، وحي مكتلة، والمربع الأمني، ومركز المدينة...ولم يتبق منزل إلا وهو إما مدمر، أو مصاب بقذيفة مدفعية أو دبابة أو هاون.



إذا هي حرب مزدوجة، لتدمير المدينة، ومحاربة تنظيم الدولة بدون أي رغبة جدية من التحالف في إنهائها على المدى القريب أو في القضاء على داعش الذي يتحرك بحرية في طرق إمداداته، وخطوط التعزيزات المفتوحة من الاتجاهات الثلاث حتى منبج، وجرابلس، والباب، مرورا بتل ابيض إلى الرقة، فالتحالف الدولي وداعش جعلا من كوباني مصيدتهما لهزيمة الآخر، التحالف كان يراقب التنظم وهو يتقدم بسلاحه الثقيل ويحتل القرى الكردية، حتى وصل مشارف المدينة، واحتل أجزاء منها ليبدأ بالقصف الذي هدفه إضعاف التنظيم وليس إنهائه، وكذلك التنظيم وجد في كوباني ملاذه في أنها باتت عينا لشهدائه وهو يدرك بأن خسارة كوباني وتراجعه يعني هلاكه، كما تدرك بان انتصارها مستحيل لذا فهو يزج بتعزيزات دورية من مقاتليه الانتحاريين ويعمل على البقاء صامدا فيها قدر ما استطاع في حرب استنزاف طويلة، فالغارات التي تستهدفه هناك ستتحول لاستهداف معاقله في ريف حلب والرقة ودير الزور بذات الكثافة، فالأفضل أن يبقى وان يتحصن ما أمكن في معركة "الرباط" وبالتالي يسيل لعاب طائرات التحالف في استهدافه داخل المدينة أفضل من أن يم استهداف مقراته المنتشرة في المدن الأخرى.


حرب داعش في كوباني أثبتت أن إستراتيجية التحالف الدولي بالغارات ضد التنظيم غير كافية للقضاء عليه أو إضعافه حتى، لذا فإن التحالف الدولي يجب أن يبدأ في البحث عن حلول بديلة أو داعمة لهذا الخطة إن كان جديا والتحالف اليوم بات أمام مسؤوليات أخرى في أن يجد بديلا ناجعا إن كان يسعى بالفعل إلى القضاء على هذا التنظيم الإرهابي الذي يخوض حربه المصيرية ليس ضد الكرد، أو كوباني فحسب وإنما ضد العالم.


فالواضح أن التحالف بذاته، لا يرغب في إنهاء حرب كوباني التي تحولت إلى مصيدة لداعش التي منيت فيها بأعداد ضخمة من القتلى غالبهم من المهاجرين، والقيادات العسكرية، وإلا فإنه أمام خطوات مهمة وهي أن يقوم بحرب برية، أو إرسال قوات جوية أمريكية بطائرات اباتشي على الأقل لاقتناص الأهداف وليس قصفها عن بعد، فداعش اليوم بات على قدرة كبيرة في تمويه تواجده، وتحركاته، بسياسية بناء الإنفاق، أو التحرك في حال غياب الطائرات، أضف بأن تسليح القوات المتواجدة على الأرض بعد تدريبها هو خيار مهم، فالانجازات التي حققتها البشمركة في العراق كبيرة أمام ما يحققه الجيش العراقي مثلا.


&وبالمقابل فإنه يترتب على التحالف أن يجد حلا لمعاناة نصف مليون مدني نازح جراء هذه الحرب وهم يعانون أقسى الظروف في ظل غياب أي دعم أو اهتمام دولي ناهيك عن الاهتمام الإعلامي، كما وأن التحالف معنى بخطة إعادة إعمار المدينة التي حولتها غاراته إلى أنقاض.

مصطفى عبدي


داعش يخوض حربه الأخيرة في كوباني



مصطفى عبدي (سوريا)

أكثر من ثلاثة أشهر وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" يخوض حربه في كوباني، وهو عاجز عن إكمال السيطرة عليها، بعدما استطاع اجتياح كامل قراها التي تتجاوز 300 قرية، بالإضافة إلى غالب أحياء المدينة، ليتراجع على وقع ضربات التحالف تارة، وصمود مقاتلي المدينة التي سجلت في تاريخ الثورة السورية أنها أول مدينة سورية رفضت احتضان داعش.


ومع تحول معركة كوباني إلى حرب استنزاف للتنظيم، الذي فقد فيها خيرة مقاتليه، ودمرت كثيراً من معداته وأسلحته الثقيلة والمتوسطة، بات السؤال هو إلى متى سيتمكن التنظيم من الصمود، وهو يتلقى ضربات قاسية، سواء على الأرض بقصف مواقعه من البشمركة، وخطوط اشتباكات مقاتلي وحدات الحماية مع الجيش الحر، أو من الجو عبر طائرات التحالف التي تقصف أي هدف متحرك أو تجمع، وقوافل تعزيزاته، إلى درجة أن التنظيم أصبح في حصار داخل المدينة، وهو يعجز عن مد خطوط الاشتباكات بالدعم والذخيرة؟



تنظيم الدولة، إذن، لا ينسحب عادة من معركة، مهما كان حجم خسائره، فهو تعود على هذا النوع من الخسائر البشرية، كما يحدث الآن في كوباني، كونه يملك مخزونا بشريا كبيراً.


ولكن المفارقة في معارك داعش الكبيرة، كمطار الطبقة واللواء 93 وعين الأسد والأنبار، أنه كان يكسب كميات هائلة من السلاح على عكس كوباني، حيث دمرت فيها غالب أسلحته الثقيلة.


هذا عدا عن أن دخول التحالف على الخط بهذا العنف أدى إلى تخبط في بنيان التنظيم، الذي أدرك حجم الخطر الذي يتربص به، ولم يكن يتوقع أن يكون التدخل بهذا الحجم، لذا، عمد إلى تحويل المعركة من مجرد تمدد روتيني للدولة إلى الواجهة المصيرية مع الغرب.


ونذكر أنه في كوباني فشلت أبرز أسلحة التنظيم الفتاكة، المتمثلة بالانغماسيين والسيارات المفخخة، مما أضعف بشكل كبير قدرة التنظيم، مع أنه استخدم نخبة الانغماسيين في بداية المعركة، واستطاع دخول كوباني، ظنا منه أن المعركة انتهت، عدا عن مقتل أغلب قياداته التي كان يرسلها، وهم من النخبة والمدربين.


وباتت اللعبة الأخيرة دخول معركة الأنفاق التي ظهرت إلى الواجهة، أخيراً، وهو ما يُعد تحولًا في استراتيجية داعش، ودليلًا على استماتة هذا التنظيم للظفر بكوباني، وأنه لن يتخذ قرار الانسحاب.


كوباني والظروف الدولية التي لعبت لصالحها تحولت إلى أيقونة للصمود، وكسر شوكة تمدد تنظيم الدولة الذي يدرك، تماماً، أنه لن يتمكن من إعلان إمارته فوق ترابها، أو البقاء في الأحياء والقرى التي يسيطر عليها، بدون أن يظهر فيها. لذا، لجأ التنظيم إلى تغيير مستويات خطابه الإعلامي، ليتوافق مع ظروف وأبعاد هذه الحرب على أن يحفظ ماء وجهه من خلالها، ففي بداية الهجوم على المدينة، كان التنظيم يركز، في خطابه، على تحريرها من المرتدين، وضمها إلى دولته، بدون أي بعد مصيري، حيث كانت تسير على أساس تفسير واحد لجميع المعارك التي خاضها "الدولة لم تخسر معركة، إنها على الحق، وتتمدد، لأن الله أراد ذلك".

دخول التحالف على الخط جعل التنظيم يرفع من نبرة خطابه الإعلامي، فتحولت المعركة من مجرد تمدد روتيني للدولة، إلى المواجهة المصيرية مع الغرب برمته، وحاول بعض مطابخه الإعلامية ترويج فكرة أن معركة "عين الإسلام" إنما هي يوم الملحمة، بل وعلامة لقرب الساعة وشروطها التي تشكل جزءاً من الذهنية الداعشية، بربط ظهور الدولة الإسلامية بحديث:(ثم خلافة على منهاج النبوة)، والذي أصبح أحد شعارات داعش.


وبعد تكبد التنظيم خسائر بشرية كبيرة، ارتقى، في خطابه الإعلامي، إلى تمجيد قتلاه، وكان التنظيم يتكتم، عادة، عن قتلاه قدر المستطاع. لم يتحدث التنظيم عن قتلاه، مثلما تحدث عنهم في كوباني. بدأ داعش يدرك أن كوباني معركة خاسرة، والقتلى في تزايد، ويبدو أن تمجيد القتلى كان بداية للتفكير في انسحاب من هذه المعركة، ولجم أفواه الممتعضين من أعداد القتلى وخاصة في صفوف الأنصار.


هذا عدا أن التنظيم ألزم، أخيراً، جميع عناصره بعدم الحديث عن كوباني بحملة "التكتيم الإعلامي"، بعد حادثة تفجير معبر مرشد بينار، والذي ترافق مع نشر المكتب الإعلامي لـ"وﻻية الرقة" صور معارك قديمة، اعتبرت هذه الحركة ذراً للرماد في العيون، كانت داعش تريد أن تنطبع صورة الدولة المنتصرة، قبل أن تنسحب إعلاميا من مشهد كوباني. في هذا المستوى، قتل أبو اليمان الشامي، أو أزيح عن المشهد، مع ما كان يحمله من رمزية لمعركة "عين الإسلام".


لن يعي عقل هذا التنظيم خسارة المعركة إﻻ إذا تمكّنت الدعاية الإعلامية الداعشية من توجيه انتباهه إلى نقطة أخرى، وقد ربط بعضهم توجهه إلى "معركة مطار دير الزور" باباً للانسحاب من كوباني، أو البحث عن نصر آخر في درعا، أو قرب دمشق.

دراسة تاريخية حول نشأة مدينة كوباني وأصل تسميتها

 مقدمة تُعد مدينة كوباني، المعروفة رسميًا باسم عين العرب، من المدن السورية التي ارتبط تاريخ نشأتها الحديثة بتحولات سياسية واقتصادية كبرى شهد...