الاثنين، أبريل 17، 2023

داعش وتغيير تكتيك الحرب

مصطفى عبدي (سوريا)

هناك ثلاثة أقوال شائعة بين الكرد، هي أنه لا أصدقاء سوى الجبال، يعيشون في منطقة صعبة، وبالتالي، تبقى الأمور على حالها، ويرون أن على الغرب تقديم المزيد من الدعم لهم، فهو مفتاح البداية.

بات مؤكداً أن تنظيم داعش فشل في احتلال كوباني، وباتت مسألة بقاء مقاتليه ضمن أحياء المدينة مسألة وقت، ليس أكثر، فيما أصبحت مسألة سقوط كوباني مستحيلة، وأن الأخبار كلها، الآن، تدور حول خطة التحرير.

أمام هذا التقهقر والخسائر الفادحة للتنظيم في كوباني، هذه المدينة التي صمدت أربعة أسابيع، بأسلحتها التقليدية أمام العتاد الثقيل، والدعم اللامحدود من الذخيرة والسلاح في خطوط إمداد مفتوحة من ثلاثة اتجاهات لداعش، في مقابل حصار مفروض على المدينة من أربعة اتجاهات، كان لزاما وأمام فرصة أن مقاتلي كوباني رفعوا رسالة إلى ضمير الإنسانية، مفادها أنهم في كوباني يحاربون الإرهاب، نيابة عن العالم، وأن المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية، في أن لا يتخلى عن مقاتلات ومقاتلين، قررن وقرروا القتال، حتى آخر قطرة دم، آخر طلقة.

داعش لم تكن لتتصور أن تصمد كوباني، في وقت تمكنت فيه من احتلال محافظاتٍ، كالرقة، والموصل ودير الزور، واحتلت مطارات، وفرقاً عسكرية، حيث مُنيت فيها داعش بخسائر فادحة في العتاد والسلاح والمقاتلين، إلى درجة أنهم باتوا يسمونها "عين الشهداء"، بدل "عين السلام"، لكثرة قتلاهم.

وداعش، اليوم، باتت متيقنة بأنها فشلت فشلا ذريعا في كوباني، وأن هذه الهزيمة بمثابة بداية النهاية، لتنظيم تمكن في فترة قصيرة من بسط سيطرته على مساحات واسعة من سورية والعراق، ليصبح الكرد القلعة التي تحطمت على تخومها أحلامهم بالتمدد، سواء في العراق أم سورية.

هنا، كان لا بد لداعش أن تلجأ إلى تغيير في تكتيك الحرب بأن تؤدلج حربها التي كانت موجهة، في البداية، إلى توسيع رقعة السيطرة، لتشمل غالبية مدن السنة في سورية والعراق لطموحات استعادة عهد الخلافة والإسلام السياسي بالسلطة والمنصب، وإغراء المسلمين حول العالم، بالهجرة إلى ربوع الدولة، مع الانتقال إلى مرحلة البناء من الداخل، بتشريعات مقتبسة من عصور الخلافة نفسها، ومن ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة الفتوحات الإسلامية، والتي من وجهة نظر قادة الحرب والخليفة لن تتوقف عند حد.

جاء الخلل في غياب التكتيك من الانتقال بين المراحل، وتعجل أبو بكر البغدادي في إعلان نفسه خليفة، وجاء التعجل لعدة أسباب، غالبها داخلي، وصراعات بين تيارات داعش نفسها، إضافة إلى الصراع بينهم وبين "جبهة النصرة" والقاعدة ورغبة البغدادي في تعجل الإعلان، خوفا من مبادرة قد تأتي من الجولاني، او من بن لادن وبالتالي ضياع الفرصة عليه.

إضافة إلى أن دخول الكرد في العراق على الخط، والخطأ الكبير الذي اقترفته داعش في احتلالها شنكال، وسبي النساء ومظاهر القتل الجماعي، كان أحد أهم بدايات فناء التنظيم الذي لم يتوقع أن يشكل المجتمع الدولي تحالفاً ضده، والبدء الفوري بالهجوم الجوي عليه، ما شكل نقطة ارتكاز وفشل كبير للتنظيم، وبالتالي، وجد التنظيم نفسه ينتقل إلى المرحلة الثانية، مرحلة الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع، لذا، هاج مقاتلوه على بلدات العراق، وارتكبوا المجازر فيها، وقتلوا صحفيين أجانب، وكانت الاعتقالات سلاح التنظيم في سورية، لكبح جماح أي تمرد محتمل، وخصوصاً في الرقة والطبقة ومنبج وجرابلس وصرين والباب.

وشكل توحد الكرد والعرب في كوباني ضربة أخرى في خاصرة داعش التي تتمدد بالأصل، نتيجة لغياب التنظيم العسكري لكتائب الجيش السوري الحر على الأرض، وغياب قوة عسكرية متفقة، وكان الاتفاق الكردي - العربي في محيط كوباني أحد أكبر مخاوف التنظيم في سوريا، كما يخاف من أن تصبح حالة اقتداء لباقي المناطق في أن تتوحد كتائبها، فبادر إلى الهجوم بأكثر أسلحته فتكا، ويسابق الوقت لاستكمال احتلال المدينة.

تنظيم البغدادي اليوم منهك، مدمر، سجله مليء بالانتهاكات، تعرض لضربات قاسية، وبدأت بوادر غياب الثقة تطفو بين قياداته، ومقاتليه وخصوصاً مع فرار بعضهم وتصفية آخرين، إضافة إلى تسرب الطمع بالسلطة إلى نفوس كثيرين من قادته الميدانيين و المقاتلين، مع ارتفاع عدد قتلاه في سورية والعراق، وفشله الذريع في احتلال كوباني التي قتل فيها أكثر من 3000 من مقاتليه، ودمرت 40% من معداته الثقيلة في محيطها.

أمام هذا الواقع المعقد، في وقت كان خطاب التنظيم، بإجماله، موجها إلى احتلال كوباني، واعتبارها إحدى المقدسات الإسلامية، وأن مسألة التخلي عنها أقرب ما تكون إلى التخلي عن إحدى مقدسات الإسلام.

أخيراً، لجأت داعش إلى تغيير خطابها، وباتت لغتها موجهة ضد "المجتمع الدولي"، و"ضد" المؤسسات والمنظمات و"الدول الغربية"، ولجأت إلى نشر تسجيلات عديدة، وبثها في رسالة مباشرة إلى التحالف والمجتمع الغربي.

وتراهن داعش، الآن، على فرصتها في أن تصبح أمراً واقعاً، في ظل التباين بين من تكفل بقتال التنظيم ومن تداعى لمواجهته. فقوى التحالف الغربية التي تشارك في الضربات الجوية لا تبذل في هذه المواجهة، ما يتناسب مع قوتها، ومع إمكاناتها، والغارات الجوية التي تشارك فيها لا تبدو قادرة على تغيير المعادلة، أو تعديل الميزان على الأرض. فيما الدول العربية التي تتحسب من خطر التنظيم تفعل ذلك بالحدود التي لا ترتب عليها أعباء أكثر من طاقتها، أو كلفة تؤثر على أولوياتها وحساباتها الداخلية.

تتعامل الدول الإقليمية الأخرى مع داعش كفرصة سانحة لا كخطر داهم. فإيران تجد في أفعال التنظيم، وممارساته، ما تقايض به، وما يستجلب لها الاعتراف بصدقية دورها التخريبي في سورية والعراق، وامتداداً حماية الحليف الدائم في لبنان، بحيث يصبح هذا الدور تعبيراً عن مقاومة الإرهاب، لا انتصاراً للمذهب.

فيما تركيا ومنذ البداية وجدت في داعش فرصة لتغذية طموحاتها في المنطقة وتفكيكها مما يسهل توغلها بحجة محاربته في وقت قامت بفتح مطاراتها وحدودها لعبور مقاتليه باتجاه سوريا والعراق وصمتت عن تواجد قادته ومقاتليه في اراضيه وتلقيهم تدريبات عسكرية وفتحت لهم الباب لعبور الاسلحة كذلك وفتحت مشافيها لعلاج مقاتلي وقادة داعش بالمجان.

غايات تركيا الخبيثة...ذريعة المنطقة الآمنة شمال سوريا

 


يوما بعد آخر يتعرض مشروع حزب العدالة والتنمية التركي للمزيد من النكسات، وتبعثر تركيا المزيد من أوراقها في الملف السوري، وبالتحديد في منطقة شرق الفرات، ومشروع "المنطقة العازلة" القديم والذي عاد لاثارته مجددا قبل أيام ، وهي المنطقة التي سعت أنقرة لإقامتها كوسيلة لاحتلال المزيد من المناطق وخاصة الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية، والتي توصف إنها "مستقرة، آمنة" وتكرار تجربة شمال قبرص ولواء الاسكندرون مرورا بشمال سوريا الى شمال العراق (اقليم كردستان).

خسارة تركية في سورية وفشل مشروعها الكبير في الاستيلاء على السلطة عبر "الإخوان المسلمين" دفعها للمناورة والبحث عن بدائل، لتنحصر طموحاتها الجيوسياسية والأمنية التي فشلت في بلوغها مع دعم التمرد العربي السني لإسقاط حكومة الرئيس السوري بشار الأسد بمساعي استهداف الكرد في شمال سوريا والذين أسسوا منطقة الإدارة الذاتية واعتبارهم خطر يهدد أمنها القومي.

فبعدما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يتوعد نظيره السوري بشار الاسد باسقاط نظامه، ويبشر قادة المعارضة المسلحة التي يدعمها بالصلاة جنبا لجنب في الجامع الأموي بدمشق انحصرت طموحاته الآن لمواجهة الكرد والعرب المتحالفين معهم بغية تجريدهم من المكاسب التي حصدوها بالكثير من التدبير والسياسة والدم، وعرقلة صعودهم وتحقيق أي نوع من الحكم الذاتي لهم في مناطق شمال وشرق سوريا.

رفضت انقرة بشتى الوسائل مشاركة الكرد ومن يتحالف معهم في لقاءات جنيف وفرضت فيتو على حضورهم وهددت بسحب المعارضة التي تدعمها من اللقاءات رغم أن قوات سوريا الديمقراطية باتت تسيطر على ثلث مساحة سوريا ولديهم جيش منظم قوامه أكثر من 50 ألف مقاتل إلى جانب أكثر من 30 ألف من قوات الأمن ومكافحة الإرهاب، وأثبتوا جدارة قتالية عالية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، واثبتوا كذلك أنهم الاكثر انضباطا، والتزاما بقوانين حقوق الإنسان في مناطق النزاع وأفضل شريك للولايات المتحدة والتحالف الدولي وشكلوا هياكل إدارية صلبة بمشاركة كل مكونات المنطقة واسسوا تحالف سياسي ضم غالب الأحزاب السياسية والعشائر العربية والكتل الثقافية والمجتمعية كما ورفضت تركيا كذلك حضورهم لقاءات الاستانة، وظلت تهاجم مناطقهم بشتى الوسائل، وعرقلت مرارا حملات قسد العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية لا بل ونشطت في تحويل مناطق تحتلها الى مناطق آمنة للدواعش وقادتهم .

كان الفيتو التركي حاضرا لمنع الكرد والعرب الرافضين الانصياع لسياستها، من المشاركة في مختلف المحافل الدولية... الاستهداف التركي لم يقتصر على الجانب الدبلوماسي، وإنما شمل الجانب الاقتصادي من خلال إغلاق المعابر مع "روجافا" نهائيا، وبناء جدار عازل على طول الحدود وقتل أي لاجئ يتجه صوت الحدود، واستهداف الفلاحين والرعاة الذين تقع أراضيهم وبساتينهم في المناطق الحدودية ومواصلة إطلاق النار عبر القناصات صوب المدنيين في القرى القريبة من الحدود.

وظل التهديد باجتياح عسكري ثالث قائما، لكنه كان مستبعدا في ظل غياب التوافق الدولي والضوء الأخضر من قبل روسيا وأمريكا، وهو القرار الذي تمكنت تركيا من تحصليه ثلاث مرات الأولى في حلب حيث اجبرت المعارضة المسلحة على الاستسلام والانسحاب من حلب الشرقية لقاء صمت روسي عن توغلها في مدينة جرابلس والباب 2016 بعملية اطلق عليها اسم درع الفرات. الصفقة الثانية تضمنت تخلي تركيا عن المعارضة السورية المسلحة في "الغوطة الشرقية، القابون، برزة" بريف دمشق واجبارها على الانسحاب منها باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرتها شمال سوريا مقابل رفع روسيا غطائها عن منطقة عفرين، لتبدأ تركية في 20 يناير 2018 حملة عسكرية شارك فيها قرابة 30 ألف من مسلحي المعارضة الذين كانوا يقاتلون سابقا نظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد، كما وشارك فيها سلاح الجو التركي، والبري وجماعات تركية مثل الذئاب الرمادية غير خاضعة للحكومة، كما واثبتت الفيديوهات وجود مسلحين من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الاسلامية، وبعد 900 غارة، وآلاف القذائف، وقتل 400 مدني، واتباع تركية لسياسة "الأرض المحروقة" من خلال قصف القرى الآهلة بالسكان بالطائرات، والمدفعية اضطرت وحدات حماية الشعب لاتخاذ قرار الانسحاب في 18 مارس 2018، واستقرت في منطقة تلرفعت القريبة ، والثالث عبر الهجوم على مدينتي رأس العين  تل أبيض في أكتوبر 2019 وما نتج عن ذلك من كوارث بشرية ونزوح وسقوط ضحايا.

حرب تركية على منطقة عفرين على وررأس العين و تل أبيض تسببت في كارثة انسانية، لم تتوقف تبعاتها حتى اليوم، فرغم نزوح قرابة ثلثي سكان هذه المدن منذ الأيام الاولى للحرب لم تتوقف الانتهاكات التي وصلت لمستوى أن تكون جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السكان المحليين، حيث قامت تركية برعاية توطين الاف اسر المسلحين الموالين لها ( مسلحي التسويات )في منازل أهالي هذه المدن، وطردت الكثير من الأسر من بيوتهم و انتزعت اراضيهم وممتلكاتهم، ضمن خطة شاملة للتغير الديمغرافي، فما زال مصير 2400 مواطن تم اعتقالهم وخطفهم على فترات منذ التوغل التركي في المنطقة مجهولا، وهم من اصل 6 الف تم اعتقالهم، كما وان الفظائع التي تجري في السجون كثيرة، لا سيما وأنه تم الكشف حتى الآن عن قتل 120 مواطن تحت التعذيب في المعتقلات، وظلت هذه المدن مغلقة كليا امام وسائل الاعلام والمنظمات الحقوقية، وان كانت تركيا قد سمحت لمرة واحدة فقط لمجموعة من الصحفيين بدخول مدينة عفرين في 3 يوليو 2018، وروى لي مراسل فرانس 24 الأحداث التي شاهدها مؤكدا أنهم لم يتمكنوا من التجوال بحرية، وكانت مساحة تحركهم ضمن منطقة أمنية مغلقة، واجبروا على أجراء لقاءات مع أناس محضرين مسبقا برواية ان الاوضاع مستقرة، وأنهم سعيدون بسيطرة القوات التركية على عفرين... المراسل الصحفي قال لي حرفيا "كل شيء أمامنا كان مزيفا وينافي الحقيقة، عدت إلى تركيا، ولم ارسل شيئا للبث كونه كان تمثيلية قذرة، رفضت المشاركة فيها…"

القوات التركية لم تتحرك طيلة ثلاث سنوات من انتشار مسلحي تنظيم داعش على مساحات واسعة من حدودها التي ظلت مفتوحة لتنظيم الدولة الاسلامية\داعش، بدءا من تل ابيض في ريف الرقة الشمالي وحتى مدينة الراعي بريف حلب، الحملة التي شنتها في مدينة جرابلس جرت بالاتفاق المسبق مع تنظيم داعش فالقوات التركية، ومسلحي الفصائل السورية سيطروا على المدينة بدون قتال، وتوجه جيشها نحو السيطرة على مدينة الباب وذلك بعد نجاح قوات سورية الديمقراطية من كسر شوكة التنظيم وهزيمته في مدينة منبج فكان هدف تركيا الأول هو إيقاف حملات قسد وغزو مناطقهم ولم يكن بأي حال محاربة التنظيم.

طموحات تركية لم تتوقف عند حدود عفرين، والباب وتل أبيض ورأس العين بل توعد الرئيس التركي وقتها بالاستمرار في القتال حتى السيطرة على كامل الشريط الحدودي بعمق 30-50 كم  في حلب والرقة والحسكة و انتعشت آمال أردوغان مع قرار الرئيس الامريكي بالانسحاب من سورية، وطرح موضوع المنطقة العازلة التي توقعتها تركية هدية مجانية، يحقق من خلالها طموح تدمير الاستقرار والأمن في مناطق شرق الفرات، من خلال إرسال غزاته الذين كانوا باسم "الجيش الحر" فأصبحوا "جنود انكشارية" يخدمون أهداف تركية التوسعية في المنطقة.

خططت انقرة للتوغل بجيشها في المنطقة وأن تؤسس فيها قواعد عسكرية، وتنشئ قوات امنية وادارية خاضعة لها وذلك بعد تدمير القوات العسكرية والامنية فيها، وتدمير كافة الهياكل والمؤسسات الادارية المشكلة منذ سنة 2012، وتهجير السكان أو غالبهم.. الأمر يضمن لتركية مايلي:

-تأمين نقل آلاف اللاجئين "العرب السوريين" على أراضيها لتوطينهم في اراضي ومنازل " الكرد السوريين" كما فعلت في عفرين، وقرى في ريف الباب وجرابلس وكما فعلت خلال العقود الماضية ضمن حدودها بتهجير الكرد من منطقة اورفا وعينتاب ونصيبين وتوطين الأتراك بدالهم.

- تشكيل مجالس محلية موالية لها وتحت إشرافها المباشر.

- ربط هذه المناطق اداريا مع ولاية أورفا وهاتاي وعينتاب كما فعلت في عفرين وجرابلس وإعزاز والباب وتل أبيض ورأس العين حيث تتم إدارتهم من خلال ولاة أتراك.

-فرض الثقافة واللغة والمناهج التركية ضمن عملية التغيير الديمغرافي والتتريك الممنهجة كما فعلت في منطقة جرابلس وعفرين.

-تحويل مستوطني هذه المناطق لمناطق إنتاج الجهاديين الموالين لها لارسالهم لمعارك تخدم مصلحة تركيا أولا كما فعلت في ليبيا وفي أرتساخ بارمينيا.

هذا هو مفهوم المنطقة الآمنة التي تسعى لتركية لتأسيسها وأعلنت عن تلك الخطوات في وسائل اعلامها، وتصريحات مسؤولي العدالة والتنمية.

ولتحقيق ذلك كان لابد لتركية من الاستعانة بأطراف سورية خاضعة لها، والعمل على الترويج عن مظلومية الكردي - العربي الواقع تحت حكم "ب ي د" ويكون لهم دور كذلك في دعم رؤيتها ومواقفها في اعتبارها دولة مهتمة بحقوق الانسان وانها تتمتع باهلية التحدث باسم العرب والكرد والدفاع عن حقوقهم.

اضافة لدعمهم بالظهور الاعلامي وفتح منصات خاصة لهم واستهدافهم بحملات اعلامية، سياسية، ضمن سياسة الحرب الاعلامية التي تقف ورائها المخابرات التركية والغرف الامنية.

هذا الملف تكفلت به المخابرات التركية، التي وسعت مجالات التواصل مع شخصيات، وأحزاب وتكتلات سياسية سورية وعشائر ودعم تشكيل المزيد من التجمعات التي تدعي تمثيل الكرد والعرب وهو ما فعلته أيضا في منطقة عفرين، حيث قامت بالاستعانة بشخصيات كردية وفصائل مسلحة وأحزاب سياسية كردية، وقامت بتوظيف إعلامي مكثف لهم...ونفخت فيهم امام الاعلام الاجنبي، العربي والتركي...ومن تلك الجماعات المسلحة نذكر على سبيل المثال "لواء مشعل تمو، الجبهة الكردية، ودرع القامشلي، درع عفرين، لواء أحفاد صلاح الدين، كتيبة آزادي ... وايضا نذكر من الأطراف التي اعتمدت عليها تركية للترويج لدعايتها ما يسمى ب "رابطة المستقلين الكرد" تأسست في أورفا سنة 2015 من قبل المخابرات التركية، وتمولها اضافة الى وسائل اعلام كردية أو ناطقة باللغة الكردية وتجنيد شخصيات تعمل لصالحها.

بعض من هؤلاء بعد "احتلال عفرين" تخلصت منهم تركيا و تعرضوا للطرد، او الاعتقال، الاختطاف.. فيما قادة الكتائب الكردية التي شاركت تركية عزو مدينة عفرين تم مداهمة مقراتهم ونزع أسلحتهم، وحل كتائبهم.

كما وتم توظيف ظهورهم المكثف على وسائل الاعلام العربية، والتركية، والكردية، ولعل الوثائق المسربة من قبل موقع "عثمنلي" كشفت النقاب عن تدخل الاستخبارات التركية ومكتب الرئيس رجب إردوغان في إدارة قناة "تي أر تي" ، ووسائل اعلام اخرى تعمل في تركيا عن طريق التحكم في اختيار الموظفين، وإخضاعهم للتحقيقات وفرض المحتوى الذي تقدمه القناة، وأسماء الضيوف المسموح بظهورهم على شاشتها. مكتب إردوغان تدخل في إدارة القناة، وضع قوائم الضيوف الذين يظهرون في المقابلات على شاشة القناة، حيث يقوم العاملون في المكتب بفحص أسماء الضيوف بعناية قبل الموافقة على ظهورهم ومنحهم مبالغ مالية كبيرة لقاء ذلك...هذه الوثائق تكشف أسباب الظهور المكثف لاعضاء "رابطة المستقلين الكرد" على القناة بشكل متكرر، وان استضافتهم جاءت بترتيب من المخابرات التركية.

واجتهدت تركية، للترويج لتوسيع حملتها على طول الحدود لتشمل مناطق شرق الفرات ايضا، قرار ترامب بالانسحاب من سوريا آثار لعاب الرئيس التركي الذي خرج متوعدا "الأكراد" بدفنهم في الخنادق وتحت الارض وخلال تلك الفترة كثفت تركيا من جهودها لترتيب خطة مابعد الانسحاب حيث رسمت استراتيجية تمثلت بـ:

1- تدمير الكيانات العسكرية، الامنية التي انشأتها وحدات حماية الشعب، قسد في المنطقة، بشن حملة عسكرية، وقصف مقراتهم جوا بالمدفعية الثقيلة تمهيدا لتنفيذ توغل بري.

2- تدمير الهياكل الادارية، والتنظيمية، ومختلف المؤسسات الخدمية والاجتماعية والثقافية في المنطقة.

3- هدف تركيا لا يقتصر على السيطرة، الامنية، العسكرية على المنطقة وانما يجب رسم خطة لتهجير سكانها بأكبر نسبة ممكنة، ضمن خطة "التغيير الديمغرافي"، "التتريك".

عقدة تلرفعت:

لم تتوقف تركيا عن السعي للوصول الى بلدة تل رفعت حيث وقفت ايان بحزم في وجهها هذه المرة لكونها تحيط بمدينتي نبل والزهراء.

وتظهر مختلف اللقاءات والزيارات الكثيرة التي يجريها المسؤولون الأتراك إلى روسيا، وواشنطن التركيز على مدينة تل رفعت ومنها الزيارة الأكثر أهمية في ديسمبر 2018 حيث زار وفد تركي ضم وزيري الخارجية مولود تشاويش أوغلو، والدفاع خلوصي أكار، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، ومتحدث الرئاسة إبراهيم قالن، أعقبها زيارات ضمن الفريق السابق والرئيس التركي كلها كانت تتمحور حول صفقة طرحتها تركيا بترك شرق الفرات، ثم ترك مدينة منبج ل تركيا على أن تسحب تركيا يدها نهائيا من ملف ادلب و غربي حلب لصالح قوات الحكومة السورية.

تلرفعت ظلت بيضة القبان بالنسبة لتركيا وكانت آخر آمالها لا سيما وان اهم وعد قطعه أردوغان على نفسه بعد استكمال السيطرة على عفرين، بوعد أطلقه للمسلحين السوريين بأن تلرفعت ستكون التالية، وأن الجيش التركي يتجه للسيطرة عليها قريبا.

ما ظهر أن روسيا لم ترفض مقايضة تلرفعت ومناطق مهمة في ريفي حماة وإدلب كما عرضت روسيا، لكن إيران كانت الرافضة لأي نوع من صفقات جديدة في ريف حلب الشرقي، حماية مدينتي نبل والزهراء. إيران لم تقبل أن يتم تكرار نموذج كفريا والفوعة في ريف حلب، لا سيما وأنها مناطق نفوذ قوية بالنسبة لها، وأن اي صفقة جديدة ستمنح تركية ومعارضتها السورية فرصة الانتعاش مجددا والعودة وتهديد حلب هذه المرة.

لكن اللافت أن الصفقات التي رعتها تركيا بالاتفاق مع روسيا وإيران، انطوت على تغيير التركيبة السكانية لتلك المناطق عامة، كما شهد ريف حلب الشمالي محاولة بعض فصائل المعارضة السورية وبالتعاون مع الجيش التركي السيطرة على بلدة تل رفعت في ريف حلب الشمالي.

وتقع تل رفعت بالقرب من بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين و هاتان البلدتان تحاذي الطريق العام الذي يربط مدينة حلب ببلدة اعزاز الحدودية مع تركيا والتي تسيطر عليها المعارضة.

وتسعى تركيا بالاتفاق مع روسيا إلى فتح الطريق البري بين تركيا حلب بهدف تنشيط حركة التجارة، لكن تواجد إيران ومسلحين موالين لها في البلدتين الشيعيتين وانتشار وحدات حماية الشعب في تل رفعت يحولان دون ذلك.

وهناك عدة أسباب تدفع إيران إلى الإصرار على وجودها العسكري في نبُّل والزهراء فهما بمثابة قاعدة لها ومركز وجودها العسكري في ريف حلب الشمالي.

وتعرضت بلدتا الفوعة وكفريا الشيعيتين في إدلب (عدد سكانها 7000 نسمة في عام 2015) للحصار منذ عام 2015، من قبل جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) وفصائل معارضة أخرى، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بين المعارضة والحكومة بوساطة تركية وروسية لفك الحصار عنهما.

بموجب الاتفاق، تم إجلاء سكان البلدتين وبينهم مقاتلون موالون للحكومة السورية، في يوليو/تموز 2018، وجرى نقلهم إلى مناطق سيطرة الحكومة بحلب. وبالمقابل، خرج 1500 شخص من بلدتي مضايا والزبداني بريف دمشق، كانتا تخضعان لحصار خانق من قبل الجيش السوري ومقاتلي حزب الله لسنوات.

وبنهاية عام 2018، لم يبقَ شيعي واحد في إدلب، الأمر الذي يخشى الإيرانيون أن يتكرر في كل من نبُّل والزهراء.

وكانت وسائل إعلام موالية للحكومة السورية تحدثت عن ما يشبه صفقة بين روسيا وتركيا خلال جولة أستانة الحادية عشر، تضمنت تسليم بلدة تل رفعت إلى القوات التركية والمعارضة الموالية لها، مقابل تسليم بلدة جسر الشغور في إدلب والخاضعة لسيطرة المعارضة إلى القوات الحكومية.

وتتقاسم السيطرة على تل رفعت حالياً عدة أطراف، قوات الحكومة السورية ووحدات حماية الشعب الكردية والقوات الروسية ومليشيات تابعة لإيران وحزب الله اللبناني.

ويسكن في البلدة وريفها حالياً عشرات آلاف الأكراد المهجّرين من عفرين وقراها منذ مارس/آذار 2018.

وتدرك إيران خطورة سيطرة القوات التركية ومن معها على تل رفعت، إذ يشكل ذلك تهديداً على الوجود الإيراني في البلدتين، إذ تسيطر حالياً الفصائل الموالية لتركيا على براد، أقرب قرية كردية إلى نبل، ولا تبعد عنها سوى 11 كيلو مترأً.

مصطفى عبدي


إلى أين يقود حزب الاتحاد الديمقراطي الكرد في سوريا؟



استطاع حزب الاتحاد الديمقراطي الصعود إلى واجهة الأحداث التي تتصدر المشهد السوري كأحد أبرز الأطراف إثارة للجدل والذي فرض نفسه بقوة في تطورات الأحداث الجارية مع غياب أية بوادر حل جدية توقف الحرب في سوريا التي يواصل فيها النظام قصف وقتل شعبه إلى جانب تشتت المعارضة التي مارست هي الأخرى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وارتباطاتها مع أطراف دولية تساهم في تعقيد الوضع المتأزم أصلاً خدمة لمخططاتها دون أن نغفل دور جبهة النصرة التي يرفض الائتلاف الانفكاك عنها، وتنظيم الدولة الإسلامية.
الاتحاد الديمقراطي حزب حديث النشأة مقارنة مع الأحزاب الكردية الأخرى، أعلن عن تشكيله عام 2003 وارتفعت شعبيته ليصبح أحد أبرز الأحزاب الكردية، ولا سيما وأن ذراعه العسكري المتمثل بوحدات حماية الشعب والذي تؤكد تصريحات قادته أن أعدادهم تتجاوز ال 50 ألف أثبتوا جدارتهم في الوقوف بوجه التنظيمات المتطرفة ومنها الدولة الإسلامية وهزيمتهم في الكثير من المعارك بدءا من كوباني إلى الحسكة وحلب والرقة، إضافة لمعاركه ضد النظام السوري.

الصعود العسكري لحزب PYD، ترافق مع صعوده السياسي من خلال قدرته على ضبط المناطق التي يديرها سياسيا، وأمنيا وخدميا وقدرته على إعادة الحياة والاستقرار إلى المدن التي يحررها، وهو ما لعب دورا مهما في تودد الغرب إليه، وخاصة مع فشل المعارضة السورية في تحقيق الاستقرار في مناطق سيطرتها، فحزب PYD استطاع بناء مؤسسات وتشكيل مجالس مدنية، وإدارية بمشاركة مكونات المنطقة في الشمال السوري (روجافا)، كما وأن قواته العسكرية هي أكثر شركاء الغرب فاعلية في الحرب على الدولة الإسلامية الذي زار كبار مسؤوليهم أكثر من مرة كوباني، وأقيمت عدة مطارات لهم في مناطق سيطرتها، وهو ما أثار حفيظة تركيا المنزعجة من تنامي دور الكرد في المنطقة.

شكل تأسيس قوات سوريا الديمقراطية في أواخر 2015 فرص افضل لزيادة دعمها وتشكيل تحالف قوي لحماية المنطقة. 

تعرّض حزب الاتحاد الديمقراطي لحملات قمع وملاحقات أمنيّة من قبل فروع المخابرات السورية وكان نشاطه محظوراً، وتم اعتقال أكثر من 2000 شخص من أعضائه، بينهم العشرات من القياديين، وظل عناصره ملاحقين وتم اعتقال العضو الأسبق في مجلس الشعب السوري أوسمان دادالي من قبل الأمن الجوي في كوباني وجرت تصفيته تحت التعذيب كما وتمت ملاحقة صالح مسلم الزعيم الحالي للحزب والذي تمكن من الفرار قبيل ساعات من مداهمة منزله في كوباني فاعتقلت زوجته عائشة أفندي.

مع اندلاع ثورات الربيع العربي وهبوب رياح التغيير وجد PYD الظرف مناسبا للاستفادة من الأوضاع، فرحّب بهذه الثورات، وسخر إعلامه للدعوة للثورة ضد النظام وجعل قنواته التلفزيونية بتصرف المعارضين السوريين واستضاف العشرات منهم ضمن فقرات البث باللغة العربية.

ورغم أن أولى التظاهرات ضد النظام في المدن الكردية انطلقت في نيسان من قبل مجموعات شبابية، لكن أنصار حزب PYD سبقوهم بتظاهرات خرجت منذ أول أيام الثورة وإن كانت بشعارات مختلفة عن التي كانت تنظمها “التنسيقيات” فتظاهرات PYD  شملت مختلف المدن الكردية ولكنه لم يكن يلتزم بالتظاهر يوم الجمعة كما جرت عادة التظاهرات في المدن السورية، ولم يلتزم أيضا بشعاراتهم وكان ينشر في إعلامه أنها بقيادة الاخوان المسلمين، ويسعون لاقامة نظام حكم إسلامي، وكان يتهمها بأنها تحمل طابع جهادي وترفع أعلاما تركية، وصور رئيسها أردوغان الذي ينظر الكرد إليه، كنظرة العرب لإسرائيل، وفي 20 نيسان 2011 نظم أنصار PYD تظاهرات في المدن الكردية تحت اسم جمعة هنا كردستان، رافعين شعارات ما أطلقوا عليه ثورة روجافا.

في 19 تموز 2012، وتزامنا مع عقد أولى جولات التفاوض بين النظام والمعارضة في جنيف، أعلن أنصار حزب PYD انتصار ثورتهم ضد النظام، وتمكنوا خلال 48 ساعة من السيطرة على مفارزه الأمنية، والخدمية في غالب مدن الجزيرة، وكوباني وعفرين رافعين العلم الكردي على تلك المقرات، هذه التطورات تم التهميد لها قبل أشهر، حينما بدأت خلايا الحزب بنشر قواتها الأمنية في المدن الكردية، وقامت بوضع حواجز داخل الأحياء، وفي مداخل ومخارج المدن بدون أن تسجل أية حالات تصادم مع النظام الذي انكمش إلى داخل مقراته.

وتمكن PYD تدريجيا من ملئ الفراغ المني الذي خلفه رحيل النظام وركز على بناء قواته الامنية / الاسايش/ والعسكرية /وحدات حماية الشعب/ والتي كانت دعامة حماية ضد الاعتداءات المتوقعة من قبل النظام، لكن ما ظهر لاحقا أثبت أن فصائل المعارضة السورية المسلحة هي التي بدأت بشن هجمات ضد المنطقة الكردية خاصة وأن وحدات الحماية لم تقبل الانخراط في حروبهم ضد النظام، أو ضد بعضهم بعضا، وفضلت العمل منفردا في حماية مناطق سيطرتها ضاربة بيد من حديد اي تواجد عسكري خارج تنظيمها.


الصعود العسكري، والأمني لحزب PYD والذي لم يرق للائتلاف السوري الذي غاب عنه أي خطاب مطمئن للأقليات رافقه صعود سياسي، فعمل ب ي د على تطوير شبكاته الإعلامية، المحلية وتوسيع علاقاته الدبلوماسية في الدول الأوربية وبدأ مصطلح غرب كردستان او روجافا يأخذ مكانه في الاعلام والتداول حتى أن الفصائل العربية المتآلفة التي أعلنت حصار كوباني بدءا من حزيران 2013 أدرجت بند / منع تداول مصطلح غربي كردستان/ في بنود الاتفاق العشرة لوقف الحصار، حينها شاركت جبهة النصرة، وتنظيم الدولة الإسلامية أيضا في المفاوضات.

لاحقا بدأ قادة PYD يتحدوثون عن البدء بإعداد دستور لتنظيم الحياة في المنطقة الكردية حتى جاءت معركة سري كاني الأولى، والثانية لتشكل بداية تأزم العلاقات بشكل عميق بين الجيش الحر وحزب PYD، وخاصة وأنها انتهت بانتصار عسكري كبير لوحدات حماية الشعب على جبهة النصرة وأشقائها بعد معارك استمرت شهرا، ولتمتد الأحداث إلى تل أبيض، حيث قامت الفصائل التي كانت تحكمها حينها وأبرزها/ جبهة النصرة، الدولة الإسلامية، أحرار الشام / بعملية تطهير عرقية للكرد من المدينة، واعتقلت المئات من الشباب وهجرت عوائلهم إلى الحدود التركية وبدأت بشن هجمات على قرى ريف كوباني الشرقي، والغربي، وعفرين، مع تطبيق سياسة فرض الحصار على المدنيين، وهو السلاح الذي يستخدمه النظام ضد المدنيين أيضا.

الجيش الحر، ثم جبهة النصرة، ولاحقا الدولة الإسلامية تناوبوا على الحرب وفرض حصار المنطقة الكردية والذي شمل الغذاء والدواء وحليب الأطفال وحركة المدنيين الذي اعتقل المئات منهم وما يزال مصير العشرات منهم مجهولا حتى اليوم.

مصطفى عبدي
آذار 2017

الأحد، أبريل 16، 2023

كيف ساعد أردوغان بشار الأسد لترسيخ حكمه ؟ (1)



تعَدُّ تركيا أحد اللاعبين الرئيسيين في الصراع السوري، وكان لتبدل موقفها السياسي دورٌ كبيرٌ في ترسيخ حكم الرئيس السوري بشار الأسد. بعد أن كانت تدعم المعارضة السورية بشكل كبير، بدأت تركيا بالتحول تدريجيًا نحو دعم النظام السوري، وذلك عبر التعاون الكبير مع روسيا وإيران في إطار اتفاقيات استانة وما سمي بنظام المصالحات.

التحول الذي طرأ على موقف تركيا ساهم في ترسيخ حكم الرئيس السوري وزيادة قوته ونفوذه في البلاد. وقد بدأت العلاقات بين النظام السوري وتركيا في التحسن تدريجيًا، بوساطة روسية ايرانية عبر لقاءات أمنية وعسكرية بداية ثم لقاءات سياسية مؤخرا تمهيدا للتطبيع الكامل الذي تؤجله دمشق لمابعد الإنتخابات التركية.

ويُعَدُّ الدعم الذي قدمته تركيا للجماعات المسلحة السورية في الماضي من أهم العوامل التي ساعدت في تعقيد الأوضاع في سوريا، وقد أسفر ذلك عن تصاعد المعارك والصراعات وانتشار الجماعات الإرهابية في المنطقة، لا سيما وان الحدود التركية مع سوريا ظلت مفتوحة لدخول عشرات آلاف الجهاديين من تنظمي القاعدة وداعش.

ومن الجدير بالذكر أن أردوغان قد لعب دورًا مهمًا في دعم الجماعات الإسلامية المسلحة في سوريا، وخاصة تنظيم الإخوان المسلمين. وقد قدمت تركيا الدعم اللوجستي والعسكري للحنلح العسكري لهذه الجماعات، وساعدت في تمركزها في المناطق الحدودية بين البلدين.

التغير الكبير في الموقف التركي بدأ عام 2016 ففي نوفمبر 2015، أسقط الجيش التركي طائرة حربية روسية من طراز سوخوي-24 في أجواء الحدود التركية السورية، مما أدى إلى تفاقم العلاقات بين البلدين.

وقد تبادلت روسيا وتركيا الاتهامات حول الحادث، وسط تصعيد في الخطاب الرسمي التركي. لكن في يوليو 2016، وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين على اتفاقية لإعادة العلاقات الثنائية بين البلدين وتحسين التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والشؤون الإقليمية، وذلك بعد أن قدمت تركيا اعتذاراً رسمياً لروسيا عن إسقاط الطائرة الروسية.

ومنذ ذلك الحين، تحسنت العلاقات بين روسيا وتركيا بشكل كبير، حيث بدأ البلدان بالتعاون في مجالات عدة، وهو ما انعكس على الوضع السوري عبر ما سمي باتفاقيات (الآستانة) حيث بدأت ما تسمى بالمصالحات والتي بمقتضاها كانت تركيا تضغط على الجماعات السورية المسلحة للانسحاب من مواقعها الاستراتيجة وتسليم المدن للجيش السوري مقابل مكاسب تركية، وتزامن ذلك مع تليين مواقفها وباتت أكثر انحيازًا للنظام السوري. ومنذ ذلك الحين، تبدلت أولويات تركيا من اسقاط النظام في سوريا إلى مساعدة روسيا وإيران لتعزيز دور وانتشار الجيش السوري وتقويته مقابل اضعاف المعارضة المسلحة.

تسليم حلب الشرقية
في ديسمبر 2016، تم الاتفاق بين تركيا وروسيا على صفقة بموجبها ضغطت تركيا على المقاتلين المعارضين للانسحاب من الأحياء الشرقية لمدينة حلب، بعد معارك عنيفة خاضتها هذه الجماعات مع النظام السوري استمرت لأكثر من أربع سنوات.

وشمل الاتفاق إخراج المقاتلين المعارضين والمدنيين من الأحياء الشرقية لحلب. وتم إرسالهم إلى شمال سوريا مقابل ضوء اخضر روسي للجيش التركي بالتوغل في مدينة جرابلس حتى عمق يصل لمدينة الباب وذلك لعرقلة تقدم قوات سوريا الديمقراطية التي كانت قد سيطرت للتو على مدينة منبج الاستراتيجية بعد هزيمة تنظيم داعش وكانت تجهز قواتها لمواصلة معاركها في جرابلس والباب.

وشكل تسليم حلب الشرقية نقطة تحول كبرى وأنعشت آمال نظام الأسد في القضاء على التمرد وتعزيز حكمه.

تسليم الغوطة الشرقية
في مارس 2018، تم الاتفاق على إخراج المسلحين المعارضين من الغوطة الشرقية، وهي منطقة في الضواحي الشرقية للعاصمة السورية دمشق، بعد حصار دام لأكثر من خمس سنوات عحز خلالها الجيش السوري عن هزيمة الجماعات المسلحة التي كانت تتمركز فيها وتشكل تهديدا كبيرا للموقع الاستراتيجي.

ووافقت المعارضة المسلحة بضغوط تركية على الخروج من الغوطة الشرقية، ومناطق أخرى في القابون وريف دمشق وتم إجلاء أكثر من 40 ألف شخص بما في ذلك المسلحين المعارضين وعائلاتهم والمدنيين إلى مدن شمالية في سوريا تحت سيطرة القوات المسلحة التركية.

وبعد انتهاء العملية، استولت الحكومة السورية على الغوطة الشرقية واستعادت السيطرة عليها، وهو ما أثار انتقادات دولية واتهامات للحكومة السورية بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء الحرب الأهلية.

تسليم سراقب
في يوليو 2017، استعاد الجيش السوري النظامي السيطرة على مدينة سراقب عبر صفقة أخرى صاغتها تركيا بعد اتفاق مع روسيا. عملية السيطرة تمت بدون مقاومة تذكر رغم ان المنطقة ظلت تحت سيطرة المعارضة فترة طويلة وكانت قد خاضت معارك شرسة للدفاع عنها لتضطر لتوقيع اتفاق استسلام يقضي بتسليم المدينة والمناطق المحيطة بها إلى السلطات السورية.

وقد أثار هذا الاتفاق جدلاً في الأوساط الدولية، حيث انتقد العديد من المراقبين والمنظمات الحقوقية تسليم سراقب للنظام السوري، مشيرين إلى مخاوفهم من حدوث انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في المدينة بعد استعادتها من قبل النظام.

ترسيخ حكم الأسد تحقق مع ماحققته الاتفاقيات الروسية - التركية - الإيرانية حيث ادت في النهاية لاضعاف الفصائل المقاتلة لاسقاط نظامه كما وافادت تلك التسويات نظام أردوغان الذي اعاد تجنيد وتسليح فصائل التسويات وجمعهم تحت اسم "الجيش الوطني" وجندهم كمرتزقة في اذربيجان وليبيا وجعلهم رأس حربة لاحتلال مدن حدودية في شمال سوريا بموافقة من دمشق وتتريكها تمهيدا لحالقها بتركيا.

أرسلت تركيا جيش المسلحين السوريين الذين كانوا يقاتلون يوما لاسقاط نظام الأسد إلى ليبيا وأذربيجان للمشاركة في الصراعات المحلية هناك، ولكن الهدف الرئيسي لتركيا تبدل وبات محصورا في استخدام هذه المجموعات في دعم قواته في احتلال المدن السورية في شمال البلاد والنهب والسرقة من المناطق الحدودية السورية. فقد استخدمت تركيا هؤلاء المسلحين الذي جمعتهم واطلقت عليهم أسم الجيش الوطني السوري كرأس حربة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في سوريا، وما زالت تستخدمهم حتى الآن في اخضاع المناطق الحدودية السورية ونهب مواردها.

هذه المناطق بعيدة جدا عن دمشق وبقاء تركيا فيها لا يهدد سلطة وحكم بشار الأسد خاصة وانها تحولت بالنسبة له لمكان ايواء الرافضين لحكمه من معارضة مسلحة وعوائلهم ومكان لتجمع الجماعات المسلحة التي صنفت عدد منها كمنظمات وجماعات إرهابية وقسم منها خاضع للعقوبات الدولية يتم استهدافهم من قبل الولايات المتحدة والولايات المتحدة ومن قبل روسيا وبالتالي فبشار الأسد غير قلق من اي تهديد قد يطال حكمه . 

مصطفى عبدي

دراسة تاريخية حول نشأة مدينة كوباني وأصل تسميتها

 مقدمة تُعد مدينة كوباني، المعروفة رسميًا باسم عين العرب، من المدن السورية التي ارتبط تاريخ نشأتها الحديثة بتحولات سياسية واقتصادية كبرى شهد...